القرآن الكريم

الدرس التاسع من البرنامج الرمضاني.

  • أهمية الحج
  • ذكر الله والدعاء في الحج
  • سوء الفهم لسنن الحياة

ثم أمر بتمام الحج والعمرة، متى ما اتجهت إلى العمرة، وابتدأت في أعمال العمرة، فيجب أن تتمها، متى ما بدأت في أعمال الحج التي تبدأ بالإحرام، فيجب أن تتمه، إذا حصل إحصار منعك من أن تتم الحج فهناك الهدي. نفس الشيء فيما يتعلق بأهمية الحج، أن له أهمية كبيرة، الأعداء يركزون عليه بشكل كبير، كما قلنا أكثر من مرة كما أذكر: أن الإمام الخميني قال من قبل: أنهم يخططون للسيطرة على الحج، أمريكا وإسرائيل يخططون للسيطرة على الحج، وهي قضية معروفة الآن، نسمع المؤامرات الرهيبة، ومحاولة تمحل الذرائع كما يسمونها، فيما يتعلق بالسعودية، وفيما يتعلق بدول المنطقة، وشعوب المنطقة كلها.

يبين تشريعات الحج بطريقة قريبة ليس فيها [فنقله] كثيرة، لأن كثيراً من مسائل الحج من الأشياء التي تعددت فيها الأقوال حتى أصبح الحج دقيقاً جداً، وخطيراً جداً، أدنى شيء ولزمك دم.. لزمك دم! وهكذا ذكر تفاصيل الحج وبعد قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}(البقرة: من الآية197). وهناك قال: {واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}(البقرة: من الآية203) التأكيد على أن الحج أشهر معلومات قضية هامة يجب أن يتشبث بها المسلمون، لا يأتي العدو في يوم من الأيام مع استجابة الأنظمة الحاكمة للمسلمين، ويقدم من لديه رؤى: أنه يوزع الحج على أشهر، اليمنيون يحجون في شهر كذا، والإيرانيون في شهر كذا، أو الأفارقة في شهر كذا، والآسيويون في شهر كذا، ويوزعونهم ويقولون: المقصود واحد. إذا المقصود واحد يطوف ويذهب يرمي، هي هذه حاصلة، لا. {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} لا يصح إلا فيها..لا يصح إلا فيها. لأنه لو يجزأ الحج بالنسبة لوقته، معناه: تبطل الغاية العظيمة من وراء تشريعه: يمثل ملتقاً واحداً للمسلمين في وقت واحد، وأيام معدودة معينة، الأيام المعدودات: هي أيام منى، أيام التشريق.

لأهمية الحج فيما يتعلق بالناس يحظر عليهم أشياء كثيرة مما قد تثير شقاق فيما بينهم، الكلام السيئ، الكلام الذي يعتبر رفث، الرفث بأنواعه، الرفث سواء كان بكلام سيئ، أو بالتلفت للنساء الحاجّات، هذا كله يدخل ضمن الرفث. {وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}(البقرة: من الآية197)، ولا جدال ممنوع الجدال في الحج، إلا إذا كان هناك حوار متبادل، طرح قضايا معينة، أو توجيه للناس، تذكيرهم بما يجب أن يعملوه، تذكيرهم بخطورة العدو الذي يتوجه ضدهم، وأشياء من هذه، تذكير الناس بالله، ذكر لله، يتجنبون الأشياء التي تثير الشقاق فيما بينهم، الجدال، الكلام البذيء، سواء الحجاج من بلد واحد، وهم في سيارة واحدة أو مع أي حجاج آخرين، مع أي حجاج آخرين مهما كانوا من طوائف أخرى، لا تدخل معهم في جدال، حاول أن لا تدخل في جدال نهائياً لو حاول هو، ذكره بأن هذا المكان ليس مقام جدال. شخص آخر جاءت منه كلمة بذيئة، ذكّره، تقول له: لو أننا في البلاد يمكن أن أجوب عليك لكن هذا المقام ليس مقام كذا، استح من الله، اتق الله، لتبقى الأجواء فيما بين الحجاج من أي بلد كانوا، وحتى من أي طوائف كانوا، تبقى أجواء صالحة للتفاهم فيما بينهم، لتذكير بعضهم بعض بالقضايا التي يجب أن يهتموا بها جميعاً.

يؤكد على موضوع ذكر الله في كل مناسك الحج، في كل المواقع، في كل المناسك، في عرفات، في مزدلفة، عند البيت الحرام، في نفس الأيام، ذكر الذكر عند المشعر الحرام بالنسبة للأماكن، أماكن: أي إشارة إلى الأماكن، أن تذكر الله بالنسبة للأماكن، وذكر بالنسبة للأيام، {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}. يعني: تكون حريصاً على أنك تكثر من ذكر الله في تلك الأمكنة، وفي تلك الأيام.

يذكر بالنسبة لطلبات الناس، أو نفسيات لدى البعض: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ}(البقرة: من الآية200). مشغول بطلبات في الدنيا، وماله في الآخرة من نصيب {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(البقرة:201- 202) هذه قضية هامة، تذكير للإنسان بأن تكون نظرته شاملة، شاملة للدنيا، لهذه الحياة، وللحياة الأخرى، أن تكون كلها محط اهتمام لديك، كما كانت هي، لأن الله جعل دينه بهذا الشكل حسنة للدنيا والآخرة، نفس دينه جعله للدنيا والآخرة.

أن يكون الإنسان وهو يدعو الله سبحانه وتعالى، يكون على هذا النحو، أعني: ينظر لهذه الحياة، وللحياة الأخرى كلها، لا يكون ممن ينظر لهذه الحياة فقط، أو ينظر نظرة قاصرة لهذه الحياة، وليس في ذهنيته الحياة الأخرى، أحياناً متى ما ساء فهم هذه الحياة يؤثر جداً على الحياة الأخرى، سوء الفهم للحياة هذه يؤثر فعلاً على ما يمكن أن يجعلك ناجيا في الحياة الأخرى، أعني: لاحظ كمثال في هذه عندما تكون نظرتك للحياة هذه بأن هذه الحياة، [الله خلق الدنيا على هذا النحو، ولا يصلح فيها حق، وعلى الإنسان] يحاول كيف يقدم لنفسه مبررات، لا يعمل في سبيله، [وأهل الحق لا ينتصرون على أهل الباطل، وأهل الباطل يكونون دائماً منتصرين، وهم كذا، وهم كذا]، أليست هذه نظرة مغلوطة للحياة هذه؟ تجعلك في الأخير لا تتحرك في سبيل الله، ألست هنا أثرت على حياتك الأخرى؟ سوء الفهم لواقع الحياة هذه، لواقع الأرض هذه، ولسنن الحياة هذه، يؤثر بالتأكيد على مستقبلك في الحياة الأخرى، لماذا تجد الكثير من الناس لا يتحركون في سبيل الله؟ بسبب ماذا؟ نظرة مغلوطة إلى الحياة هذه، وكيف جعلها الله عليه، لا يوجد فيها مكان، ليس فيها مكان للحق، وهذه النفوس، نفوس الناس التي خلقها الله ليس فيها مكان للحق.

إذاً ما دام ما هناك مكان للحق أجلس في بيتي فقط!، فقعد عن العمل في سبيل الله الذي ستتوقف عليه نجاته في الآخرة. فتعطي الإنسان توجيها بأن يكون فاهماً، فاهماً للحياة الدنيا، وفاهماً للآخرة، ومهتم بالحياة الدنيا هذه والحياة الآخرة، لأنها حياة واحدة في الواقع، هي حياة واحدة في الواقع، ليس الموت إلا عبارة عن فاصل مثل ما يأتي فاصل في النشرة، أليس يأتي فاصل وبعده يكمل النشرة؟ هي.. هي، هي حياة واحدة، وأنت ستكون في الآخرة بنفس المشاعر، تبعث أنت.. أنت، لا تفهم بأنك قد صرت بشكل آخر، أو كأنه حلم.

يكون الناس {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} لم يأتِ ليقول على أساس أنه يقدم النموذج الصحيح، ومنهم من يقول: ربنا آتنا في الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. مثل ما يأتي التوجيه من عند الكثير من الناس يقول: [الدنيا.. الدنيا. لا تهتهم بالدنيا، اهتم بالآخرة]، ويقدم لك الآخرة فقط، الآخرة مرتبطة بالدنيا هذه، فتكون نظرة صحيحة لهذه الحياة الدنيا، ونظرة صحيحة للآخرة، وتطلب من الله الحسنة في هذه الدنيا، وفي الآخرة، {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا}(البقرة: من الآية202) أن الله يؤتيهم في الدنيا هذه نصيباً مما كسبوا، وفي الآخرة، عملك إجعل منه هنا وهناك، نصيب هنا في الحياة الدنيا، ونصيب في الآخرة، لأنه أين النصيب الباقي عندما يقول: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} هل يمكن أن تعتبره نصيباً، يعني: في الآخرة، فالنصيب الثاني أين؟ وإلا تعتبره نصيب فقط، يوجد نصيب ثاني. النصيب معناه: القسط من الشيء. {نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} ما كسبوه يستفيدون منه في الدنيا وفي الآخرة.

{وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(البقرة: من الآية202) وحتى في الدنيا يحصل حساب، محاسبة – ولو لم يكن كما في الآخرة حساباً شخصياً، أو حساباً جماعياً – حساب واقعي، أعمال الناس يحاسبون عليها، يذوقون وبال أمرهم، كما قال في آية أخرى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً}(الطلاق: من الآية8)، {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا}(الطلاق:8-9). هنا في الدنيا قبل الآخرة ليفهم الناس، بأنه إنما كسبوه، يحصل نصيب منه هنا، أعمال سيئة يحصل من عواقبه السيئة في الدنيا قبل الآخرة.

هدى الله سبحانه وتعالى يتناول التقييم للناس، التشخيص للناس لأن هذه قضية هامة، قضية أن يعرفك على الناس كيف هم، بدأ في هاتين الآيتين أن هناك من الناس من يقول: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا}(البقرة: من الآية201) وهناك فئة: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً}(البقرة: من الآية201). ألست أمام صنفين من الناس؟.

يقول أيضاً: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}(البقرة:204) في نفس الوقت من ألد الأعداء، ومن ألد الناس خصومة، {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}(البقرة:205). نحن الآن أمام ناس من النوعية هذه.. ناس من النوعية هذه. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أليسوا هم يقولون لنا: بأنهم يريدون أن يحرروا، يحرروا الناس، ويعملون المناهج التعليمية بشكل أفضل، ويعملون على ترقية الشعوب، ويعملون… عبارات براقة.

{وَإِذَا تَوَلَّى}(البقرة: من الآية205) – متى ما اتجه عملياً، كلامه كلام براق بهذا الشكل – لكن في المجال العملي، {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}(البقرة:205). هنا قال: {وَمِنَ النَّاسِ} بشكل عام لتكون عارفاً أنت: أن الناس هم أنواع، – قد يكون منهم سواء في الداخل أو في الخارج – من هم على هذا النحو، لا يكون عندك النظرة التي حصلت لآدم، عنده كيف ممكن مخلوق من مخلوقات الله يحلف يميناً فاجرة، ويقسم بالله: أنه من الناصحين! أليس هو كلاماً أعجبه؟ لأنه يستبعد أن الشخص يأتي ليقسم بالله، لأن الله عظيم في نفس آدم.

كانت هذه أول عملية خداع من {مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} يقسم بالله: أنه من الناصحين، لكن وعمله فساد، تحصل هذه من جهة الأعداء، وتحصل أيضاً في الداخل، يعني: أن الإنسان المؤمن الذي يهتدي بهدى الله يجب أن يكون واعياً، وأن يكون ذكياً، وفاهماً، لا ينخدع بشعارات، لا ينخدع بكلام زائف، لا ينخدع بكلام مزخرف، يجب أن يعرف: هل هذه الجهة مظنة أن يكون واقعها كما تقول؟ هذا من الأسس في هذه، هل ممكن أن يكون هذا؟ هل من المحتمل أن يكون هذا يكون واقعه مطابقاً لما يقوله؟ أما إذا قد مر في حياته بتجارب كبيرة، ووجدناه شريراً فيها، وفي كل مرة يخدعنا بكلام معسول، وكل مرة نقول عسى أنه سيهتدي، عسى أما الآن أنه سيصلح، معناه أنك تجعل نفسك ميدان للخداع باستمرار.

هذه تهدي الناس إلى أن يكون لديهم قدرة في التقييم، قدرة في التقييم للآخرين، ومن الأشياء الأساسية في هدى الله سبحانه وتعالى هو: أنه يعطي الناس بصيرة يستطيعون أن يقيموا، فيعرفوا الصادق من الكاذب، يعرفوا من قد يمكن أن تكون أفعاله متوافقة مع أقواله الجذابة، يعرفون من قد يمكن أن يكون مخادعاً بكلامه المعسول، وأفعاله كلها شر، لأن هذه قضية أساسية في مقام الهدى، وأن تعرف أنه عندما يقول: {وَمِنَ النَّاسِ} هذه قاعدة في تشريع الله، في هدي الله، لا يأتي بأشياء فقط يقول لك يوجد كذا فقط. تأتي إلى القرآن الكريم تجد داخله كثيراً من الآيات التي تحكي ما يشخص في الأخير لك هذه الفئة، وهذه الفئة، وتعرف النفسيات تماماً حتى بمؤشرات لها. لا يقول: {وَمِنَ النَّاسِ} ويتركها مبهمة، مجملة، أول شيء يعطيك فكرة: أن هذه قضية واقعية يحصل في الناس نوعيات من هذه، وفي نفس الوقت داخل سور القرآن الكريم آياته، الأشياء الكثيرة التي تشخص، هنا لاحظ كيف تحدث عن المنافقين، وشخص نفسياتهم، وأعمالهم، وأقوالهم، ووسائل خداعهم في داخل آيات القرآن الكريم في كثير من السور.

هنا أيضاً فيها: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} أليست هذه عبارة خطيرة؟ يشبه القسم الذي أقسم به إبليس لآدم خدعه، {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}(الأعراف:21). وهو في نفس الوقت {أَلَدُّ الْخِصَامِ} لك، ألد الخصام للأمة، أعني: خصم من ألد الخصوم.

{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} أينما وصلت يده في الأرض، أينما وصلت يده {لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} هذه القضية الآن معروفة، من خلال ما نراه من أعمال الأمريكيين والإسرائيليين، ومحاولتهم لإهلاك الحرث والنسل، إهلاك النسل، عملية التشجيع على الحد من النسل، ووسائل كثيرة يعملونها ليحصل عقم عند الكثير من الرجال سواء في أحزمة، أو في أجهزة طبية، أو في أي شيء من الأشياء هذه، أو داخل المواد الغذائية، أليس هذا إهلاك للنسل؟ وإهلاك للحرث أيضاً فيما يتعلق بمواد كثيرة يشكون منها. قالوا في مصر، قالوا: حصلت هذه في مصر! تصبح الأرض نفسها معطلة، لم تعد صالحة للزراعة، لم تعد تصلح للزراعة، وإهلاك للحرث: تدمير للزراعة.

أليسوا في فلسطين يدمرون الزراعات، يدمرون المزارع، وتدمير للزراعة من جهة أخرى إذا هناك شعب ينتج كاليمن ينتج [بُنْ] يحاولون أن يدمروا هذه الزراعة التي تعتبر مصدر هام لكثير من الناس بطريقة، يحاولون أن يصدروا [بُنْ] مدعوم.. مدعوم، أعني يبيعونه ولو بأقل من سعر الشراء حتى يضربوا الناتج المحلي، هذه عملوها حتى في قضية الدجاج، مزارع الدجاج، أعني ترى البلاد العربية، ترى هنا في اليمن، لم يعد يصلح أن يتربى فيه دجاج!، لازم تأكل دجاج مستورد من البرازيل، أو دجاج فرنسي!.

إهلاك الحرث والنسل يكون أحياناً على ما نلمس، يكون بالطرق هذه المتعددة. يحاولون فعلاً أن يهلكوا حرث الناس هذا، فلا يعتبر منتج، لا نعد نشكل بالنسبة لهم شيء، ويريدون أن نصبح في الأخير مجرد مستهلكين، وما خسره في عملية إهلاك حرثك، عندما يحاول أن يصدر لك كميات مدعومة تراها رخيصة، أرخص من الناتج المحلي، في الأخير عندما يعطل زراعتك أنت، سيستعيد ما خسره بأضعاف مضاعفة، سيرفع السعر قليلاً قليلاً، في وقت قد أنت محتاج إليه! هذه سياسة عندهم ثابتة، للأسف لا يوجد هناك رعاية من نفس الحكومات القائمة، تشجيع للمزارعين، تشجيع للناتج المحلي، تسهيلات كبيرة حتى يمكن للمزارع أنه ينتج، ويبيع برخص، ومازال مستفيداً ما يغطي تكلفته، ووقته، ما يساوي وقته، وتكلفة الإنفاق على المزروعات في حراثة الأرض حتى يحصل ثمرته، ويسوقها، لا توجد رعاية بهذا الشكل. لماذا؟ لأنه يكون بعض الشركات الأجنبية، وبعض الدول الأجنبية تعمل رشاوى كبيرة.. رشاوى كبيرة لمسئولين معينين، وحاول يضرب هو، يساعد في ضرب الناتج المحلي، ويستورد منتجات من البلدان الأخرى، في الأخير: زراعة التفاح، زراعة هذه الحمضيات بشكل عام، زراعة البُن، زراعة أشياء كثيرة، تكون معرضة للتلاشي ليبقى الناس في الأخير سوق استهلاكية، ولا حتى الخضرة، أو الفاكهة لا تعد تحصلها من بلادك.

إذاً تلاحظ من هذه أنك تقارن ما بين الأقوال، والأفعال كوسيلة من وسائل أن تعرف الطرف الآخر، لا تخدع بكلامه المعسول دون أن تنظر إلى فعله، إذا أنت تنظر إلى أفعاله تجد أفعاله على هذا النحو، ستعرف بأنه إنما يخادع بكلامه، {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} هذه نوعية سيئة، لكن في نفس الوقت أنت يجب أن تنظر إلى أعماله لتعرف من خلالها: أنه شرير، وأن كل ما يقوله لك من كلام معسول، إنما هو عملية خداع.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ}(البقرة: من الآية206) يأنف أن يتقي الله، يأنف أن يرجع عن هذا الفساد، أن يتحول عما هو عليه من فساد، يأنف {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}(البقرة: من الآية206).

{ومن الناس} نوعية أخرى تجد كيف النوعيات متفاوتة بشكل كبير، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}(البقرة:207) يبيع نفسه من الله، ابتغاء مرضاة الله، فيجب أن تفهم: أن النوعية هذه هي النوعية التي تصلح في الأرض، هي هذه. وليس فقط المسألة: أنه نفهم النوعية السابقة، هذه النوعية تكون منصرفة بعيدة عن الله، بعيدة عن هدى الله، غارقة في ذاتيتها، تتحول إلى مفسدة في الأرض، النوعية الأخرى المتجهة إلى الله، المهتدية بهدي الله، هي النوعية المصلحة في الأرض، ولصلاحها في الأرض هذا من قمة الصلاح في الأرض أن يكون مستعداً أن يبيع نفسه من الله، عندما تبيع نفسك من الله، في مواجهة من؟ هل هناك بيع للنفس من الله في مواجهة مصلحين؟ أو في مواجهة مفسدين؟ مفسدين. عندما يكون هناك نوعية من الناس بهذا الشكل يبيعون أنفسهم من الله، في مواجهة مفسدين، معناه: أنهم يحولون دون الإفساد أن يعم عباد الله، فهم المصلحون في الأرض هم. إذاً هؤلاء هم الوطنيون، هم الوطنيون حقيقة.

يتجلى للناس من خلال هذه كيف تكون النتيجة بالنسبة للالتزام بهدى الله أو الإعراض عنه، الإعراض عنه، يطلع نوعية من تلك السيئة التي قال عنه: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ}(البقرة: من الآية205). ومن يستقيمون على هدى الله يكونون نوعية من هذه النوعية الأخرى، لأن الجهاد في سبيل الله هو في الواقع من أعلى الخدمات للأمة، لأن الجهاد في سبيل الله إنما يكون جهاداً لمفسدين من النوعية هذه، والمفسدون من النوعية هذه عندما يقول: {يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} حرث ونسل من؟ حرثه هو ونسله هو؟ أو حرث ونسل الآخرين؟ أليس حرث ونسل الآخرين؟ فالجهاد لهؤلاء عندما يكون على هذا النحو، أليس في الواقع لصرف هذه النوعية عن أن تهلك حرث ونسل الآخرين، من إيجابياته الهامة: أن هؤلاء هم المصلحون في الأرض حقيقة، ولا قدم لك هنا مسألة أقوال براقة لديهم.

بالنسبة للنوعية الثانية هذه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ} هل هذا النوع لديه كلام براق مخادع؟ وأيضاً لم يقدم لك قضية ومن الناس من يقول كذا وكذا، وهو في نفس الوقت كذا، حتى ولو كلاماً جميلاً، وواقعياً، لأنه عادة النوعية هذه تكون مخلصة لله عملياً، فاعلة، لا تحتاج أن تعرض نفسها بشكل براق، بحيث يقولون: نحن ونحن.. إلى آخره. لا تحتاج إلى هذا، متى ما باع نفسه من الله، هذا جانب عملي هام، والإيجابية هنا في موضوع العمل، {يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ}.

{وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}(البقرة:207) رؤوف بعباده بما فيهم هؤلاء الذي شروا أنفسهم من الله، ورؤوف بعباده جميعاً أن يهيئ من النوعية هذه حتى لا ينفرد بهم المهلكون للحرث والنسل، والمخادعون بالكلام المعسول.