القرآن الكريم

الدرس الثاني عشر من البرنامج الرمضاني.

 

  • تصنيف الناس الى فئتين
  • حاجة البشرية الى هدى الله
  • انبياء الله مبشرين ومنذرين
  • قضية اختلاف الامه

{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(البقرة:212) هذه الأشياء التي تخدع الناس، تقدم في البداية، أن يذكر فئتين من الناس: الفئة الأولى هي هذه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}(البقرة:204- 205).

والفئة الثانية هي: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}(البقرة:207) هؤلاء ليس لديهم كلام براق، مخادع، كالنوعية الأولى، الذي قد تتصور نتيجة لو عوده البراقة، أن بيده مستقبل الحياة، وبيده عمارة الحياة، وبيده تحرير الشعوب، وبيده كذا، وفي الأخير تكون لا تشكل شيئاً، تجعلك تسخر من الجانب الآخر، تنشد إلى الجانب الذي لديه مظاهر، فتنخدع بمظاهره، ويصبح لقوله التضليلي، والمخادع أثر في نفسك، وأنت تنظر إلى مظاهره، تجعلك تسخر من الذين آمنوا، ترى ليس عندهم إمكانيات، ترى ليس لديهم قوة مثل الطرف الآخر، نفس قضية موسى وفرعون. فقط يسخرون منهم، لأن هذه الحالة عند الإنسان إذا لم يكن فاهماً لقضية الدنيا هذه، كيف أنه بالإمكان أن يحصل لطرف آخر أموال؟ ويحصل لديه إمكانيات أخرى، ثم انظر كيف تكون عاقبته هو؟ يكون عندك نظرة واقعية بالنسبة لمظاهر هذه الحياة، فلا تكون المظاهر نفسها بالشكل الذي يخدعك، وأنت ترى بأن تلك المظاهر هي في يد ليست يداً أمينة.

هل كان ذلك العرش الذي عليه فرعون، والأساور من ذهب، {وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ}(الزخرف: من الآية51) ألم يقل لهم هكذا؟ كان يقول لهم هكذا، خدعهم بمظاهره، زينت لدى الآخرين بمعنى: أن الطرف الآخر يحاول يقدم ما لديه من أشياء، ومظاهر، يزين لك أنت أن تنخدع بتضليله، وتسير بعده، تصبح في الأخير تسخر ممن هم في الواقع سبيل للنجاة، سبيل للهداية، وعلى أيديهم تتحقق الهداية والنجاة، {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(البقرة: من الآية212).

حتى لو لم يحصل في معادلات الدنيا هذه، الحياة هذه أن يرى الكافرون والمؤمنين فوقهم في هذه الحياة، هنا قد يكون ولو جيل منهم، جيل منهم لا يدرك الشيء هذا، فيوم القيامة سيرونهم فوقهم مثلما قال في آية أخرى، ألم يذكر عن المؤمنين أنهم: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}(المطففين:34- 36) قد تكون هذه النفسية هي نفسية عند الطغاة أنفسهم، عند الكافرين بالله، يكونون هم يزين لديهم ما هم عليه، ويدفعهم إلى السخرية من المؤمنين، فتكون مظاهر حياتهم بالشكل الذي تحول بينهم وبين أن يهتدوا، فتكون النتيجة لهم خسارة في الدنيا وخسارة في الآخرة.

قد يرون الذين آمنوا فوقهم في الدنيا، وإذا لم يحصل لدى البعض منهم ففي القيامة، في الموقف الخطير جداً، والحرج جداً، لأن مواقف الآخرة أشد من مواقف الدنيا، لأنها مواقف حاسمة، ومتفاوتة جداً، {وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً}(الإسراء: من الآية21) في الاتجاهين. فسخريتهم من الذين آمنوا، تجعلهم لا يقبلون أن يهتدوا في الأخير، بأن هذه من الآثار السلبية لمظاهر الحياة عند فئة من الناس هم على هذا النحو، هي تحجبهم عن الهداية، لأنه قد ألف في نفسه أن يقيم كل شيء على أساس الزخرفة والمظاهر، إذا ما عندك مظاهر حياة كمثله، ولهذا فرعون لم يرض أن يستجيب لموسى، هل رضي أن يؤمن؟ {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ}(الزخرف:52) أليست مظاهر الحياة لديه صرفته عن أن يستجيب لموسى؟ لأنه يلاحظ أنه لا يملك شيئاً، {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ}، يقول لقومه {أَمْ أَنَا خَيْرٌ}.

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}(البقرة: من الآية213). هذا يؤكد في الأخير حاجة البشر إلى كتب الله ورسله، حاجة البشر إلى هداية الله، حتى ولو كانوا ما يزالون مجتمعاً واحداً. يقال في تفسيرها: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله، حتى وإن كانوا أمة واحدة هم يحتاجون، الإنسان كإنسان، المجتمع المتكون من البشر، ولو كانوا أمة واحدة، هم عبارة عن طوائف، أو عبارة عن شعوب وكذا، هم يحتاجون إلى أنبياء الله ورسله وكتبه، ولأنه تطرأ فيما بينهم في تعاملهم الفردي مع بعضهم بعض، تطرأ كثير من الاختلافات.

إذاً فبالأولى أن يكون البشر بحاجة إلى كتب الله ورسله، في حالة اختلافهم هم، فيصبحون طوائف وأمم، ويصبحون خطوطاً مجانبة للحق، لأنه حتى داخل الأمة الواحدة المحقة التي هي تسير على الصراط المستقيم، تحصل اختلافات عادية بين الأفراد في مواضيع المعاملات، والنكاح، والطلاق، أو أشياء من هذه، يختلفون فيها، ألم يحصل مثل هذه الحالة في أيام رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)؟ حصل في نفس المجتمع أشياء من هذه، كانوا يتشاجرون ويختلفون، لكن وتحسم القضايا بسرعة. ليس معناه بأن البشر عندما يكونون أمة واحدة هم كبشر، واعتماد على فهمهم وذكائهم، أنهم قد أصبحوا يستطيعون أن يرسموا لأنفسهم طريقة، فلا يحتاجون إلى كتب ولا رسل، البشر يحتاجون إلى هدى الله.

أي لو وصلت الأمة إلى أن تصبح أمة واحدة فهي ما تزال بحاجة ماسة إلى هدى الله المستمر دائماً، هدى الله المستمر دائماً داخلها، وإلى هذا الهدى الشامل لأن هناك كثير من الأشياء تطرأ داخل يحتاج إلى حل، خلافات تطرأ واسعة كلما اتسعت الأمور قد تحصل.

فبالأولى عندما يصبح البشر مختلفين وتصبح هناك سبل غير سبيل الله، وتصبح هناك طرق متعددة فلا يمكن أن يحل هذا الاختلاف، ولا يمكن أن يجعل الناس أمة واحدة إلا ما هو من عند الله، هدى الله الذي يأتي عبر هذه الطريقة.

{فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}(البقرة: من الآية213) لأنه عادة اختلاف الناس يأتي فيه محظورات، عندما يصبحون في واقع، هو واقع أن يبشر، وأن ينذر، يكون البشر هم في واقع أن يبشروا، وأن ينذروا، {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ}(البقرة: من الآية213).إذاً حصلت هذه.

{فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}(البقرة: من الآية213). فالكتاب نفسه جاء ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، لكن المشكلة أنه ماذا؟ حصل اختلاف فيه.. اختلاف فيه، يعني في الكتاب. {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}(البقرة: من الآية176). كما تقدم في الآية السابقة {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ}(البقرة: من الآية213) أي في الكتاب، {إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}(البقرة: من الآية213).

لاحظ أن هذه تعطيك صورة ثابتة عمن يختلفون في كتب الله، ويختلفون في دينه من بعد رسله، يكون هذا منشؤها، ليس منشؤها نفس الكتب هي التي توجد اختلاف، لأن كتب الله هي تنزل لتحسم الاختلاف بين الناس في القضايا الكبيرة والصغيرة، تجعلهم أمة واحدة، ويبقون أمة واحدة، وأي شيء يطرأ داخلها، هذا يحسمه باستمرار، ومع هذا يأتي من الناس من يختلفون فيه، فعندما يحصل اختلاف فيه منشؤه هو هذا {بَغْياً بَيْنَهُمْ} {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} أي في الكتاب {إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ}. يعني: قيل لهم قوموا به، خذوه بقوة، تمسكوا به، التزموا به، وعلى أساس أنهم أوتوه للآخرين، يقدمونه للآخرين، فاختلفوا فيه، فضربوا بقية البشر، {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} أي: أنهم اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات تحذرهم من الاختلاف، وخطورة الاختلاف، وترسم الطريق التي يسيرون عليها، فلا يختلفون.

أي: نفهم من هذه أن أي اختلاف في أي أمة من الأمم بعد أنبيائها لا يكون منشؤه أبداً قصور في البينات والهدى، أو تقصير من أنبياء الله على الإطلاق، نفهم فيما يتعلق بالمختلفين بعد رسول الله محمد (صلوات الله عليه وعلى آله) البعض يحاول يتأول يقول: يمكن أنهم ما علموا من قول رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله): ((فمن كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه)) أنه نص على أنه خليفة بعده، ما علموا، ما عرفوا!، عندما تجد اختلافاً بعد نبي من أنبياء الله، تأكد بأن الطرف المخالف هو يخالف عن علم، هذه قاعدة هنا ثابتة، وتكررت في أكثر من آية مخالفين عن علم، لم يعد هناك مجال أن تتأول له على الإطلاق، ليس مجالاً أن تتأول له، ثم يأتي من بعد من يسيرون من بعد على ما قد رسم كامتداد لذلك الضلال الذي كان نتيجة للاختلاف الذي طرأ، لأن الاختلاف عادة يكون ماذا؟ خروج من طريق الحق إلى ضلال.

فالطرف الذي كان على هذا النحو هو يقدم ضلالاً، وفي الأخير قد يكون في الأجيال المتعاقبة، من ينظرون إليهم أنهم ساروا على تلك الطريقة، واعتقدوا أنها مسيرة مستقيمة.

{وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}(البقرة: من الآية213). إعتداء، إعتداء هكذا صريح، ومخالفة صريحة، {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الحق}(البقرة: من الآية213) لأنه في أثناء الاختلاف في الدين يصل الإختلاف إلى الاختلاف في الكتاب، أي فيما يتناول الكتاب. ألست تجد اختلافاً في التفسير؟ هو هذا، اختلاف حتى في التعامل مع الآيات، يعتبر هذه منسوخة، وليست منسوخة. يقدم تفسيرها بشكل آخر. فهناك يحصل التباس، يحصل عملية لبس في أوساط الناس من خلال عمل هؤلاء الذين خالفوا بغياً، نتيجة البغي، وبدوافع البغي.