القرآن الكريم

الاعتصام بحبل الله هو السبيل الانجح في مواجهة الاخطار.

برنامج رجال الله اليومي

السيد حسين بدر الدين الحوثي

الدرس الثالث من سورة ال عمران صـ9ـ10.

الملائكة هم خلق من خلق الله على مستوى عالٍ من الوعي يفهمون كل شيء، يفهمون المنهج الذي تدرسه، يفهمون الخطبة التي تقدمها للناس في المسجد، يفهمون البحث الذي تكتبه، يفهمون الحركة التي تتحركها، والكلام الذي تنطق به باسم الدين أنه إما أن يسير بالأمة إلى هذا الطريق فستفرش أجنحتها لك وإلا فستبتعد عنك وستأتي الشياطين لتفرش رقابها وليس أجنحتها لك وتضع أعناقها تحت قدميك رضاً بما تصنع.

لأن في الحديث ((أن الملائكة تفرش أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع)) راضية بما يصنع؛ لأنه يمشي على طريق الفلاح، يمشي على طريق الله التي تبني ولا تهدم، وتوحد وتجمع ولا تفرق. والشياطين ماذا تريد؟. أليست تريد أن نفرق؟. فمن يقدم كلمة تفرق الناس داخل المسجد فوق المنبر أو في حلقة درس أو داخل مركز أو داخل مدرسة فلا ينتظر الملائكة لتفرش له أجنحتها بل ستفرش له الشياطين أجنحتها، وإن كان يقدم من داخل القرآن وهو يحرف معاني القرآن، وهو داخل مسجد وفي يده المصحف، وهو يتحدث عن القرآن بما يصرف الأمة عن واقع القرآن فلا ينتظر ملائكة ستدخل الشياطين إلى داخل المسجد وتضع أعناقها تحت طلبته وتحت أقدامه هو رضاً بما يصنع؛ لأنه سيصنع جريمة، سيفرق الأمة باسم الدين، ويجعل كل شخص يطلع بمفرده بعيداً عن الآخر باسم الدين [لا يجوز لي أن أقلدك، لا يجوز لي أن أتبعك، لا يجوز لي أن أمشي على ما ترى، لا يجوز لي..لا يجوز.. لا يجوز. لا يجوز لي إلا أن أطلع وحدي أنا وأعتمد على رأيي أنا وعلى ما يؤدي إليه نظري أنا]. ماذا يعني هذا؟ أليس هذا يعني تعميق وترسيخ للفرقة؟ و صبغاً لها بصبغة دينية؟ تطلع في الأخير كل هذه الآيات لا قيمة لها أمام هذا الترسيخ الذي يمر على أذهاننا سنة بعد سنة ونحن طلاب علم.

وما تزال حلقات العلم قائمة على هذا النحو، ما تزال إلى الآن. ومِن مَن يتفرغ ويترك أعماله وشؤونه الخاصة، ويتفرغ للآخرين يدرسهم لكن على هذا النحو من الأفضل له أن ينطلق إلى أعماله الخاصة، ويترك ما يرى أنه فيه مجاهد في سبيل الله، ليس جهاداً في سبيل الله.

{وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:105) الآيات من أولها، سواء ما كان منها يتحدث عن خطورة القضية التي تواجهنا – والتي عادة ما يتبادر إلى أذهان الناس وحدة الكلمة ليكونوا بمستوى المواجهة، أليس هذا طبيعي يحصل – ثم من بداية التوجيه للناس نحو الطريق -التي فيها ما يجعلهم بمستوى مواجهة هذا الخطر بل القضاء عليه وضربه – كلها تتجه نحو وحدة الكلمة تحت الاعتصام بحبل الله جميعاً، كلها في هذا.. {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}(آل عمران: من الآية103) {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ}(آل عمران: من الآية104 الآية الأولى فيها ثلاث عبارات تؤكد على وحدة الكلمة، على وحدة الأنفس، وحدة الصف {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ}(آل عمران: من الآية104) كذلك تؤكد الوحدة.

ثم يأتي نهي مؤكد بوعيد شديد {وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:105) تنهى عن التفرق، تنهى عن الاختلاف، وتحذر أن نكون مثل أولئك الذين تفرقوا واختلفوا، وهم تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءتهم بينات من قِبَل الله توجههم إلى ما يحول بينهم وبين التفرق والاختلاف، توجههم إلى ما سيجعل منهم أمة واحدة لا تتفرق ولا تختلف، لكنهم تفرقوا واختلفوا؛ تبعاً للأهواء أو جهلاً بدين الله، أو بغياً من بعضهم على بعض، أو حسداً من بعضهم لبعض، تفرقوا واختلفوا.

ولم يكن هناك تقصير من جانب الله سبحانه وتعالى أنه لم يوجههم إلى ما يجعل منهم أمة واحدة، أنه لم يأتِ من جانب الله ما يحذرهم من خطورة التفرق والاختلاف، ما ينهاهم عن التفرق والاختلاف، كل شيء قد أتى من قِبَل الله على أوضح ما يمكن وأعلى ما يكون. فهو يقول لنا: بأنكم لا تتفرقوا ولا تختلفوا، ينهانا عن التفرق والاختلاف، وعندما ينهانا عن التفرق والاختلاف؛ لأنه يعلم أن في التفرق والاختلاف الضربة الموجعة لنا، الضياع لديننا، الإهانة لأنفسنا، الشقاء في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا شقاء في الحياة وذلة وخزي في الحياة وفي الآخرة نار جهنم.

عندما ينهانا عن التفرق لا بد وأنه قد رسم لنا الطريق التي إذا سرنا عليها سنكون متوحدين على أرقى ما يمكن أن نتصور، من توحد الصف، توحد الكلمة، تآلف القلوب، تآلف النفوس، لقد أرشد الله إلى ما يجعلنا بهذا المستوى في كتابه الكريم.

فعندما نتفرق ونختلف فنحن تفرقنا واختلفنا على الرغم من وجود آيات الله التي تحول بيننا وبين التفرق لو عملنا بها، أما عندما نتفرق ونختلف ونصبغ فرقتنا واختلافنا بصبغة دينية فإن ذلك يدل على جهل شديد جهل شديد بآيات الله، جهل شديد في مقام معرفة الله، اتهام لله في حكمته، اتهام لله في رحمته، اتهام لله في علمه وهدايته، ونقول: [ما سبر إلا كذا, وليس لنا إلا هذه الطريق، فواجب على كل منا أن يمشي عليها بمفرده] كما هو منطق من يصبغهم [أصول الفقه] بقواعده، من يصبغهم [علم الكلام] بقواعده، ممن يضع نفسه وقلبه بين أيديهم من بداية عمره، فينشأ وهو يرى [أن التفرق والاختلاف هو ما يعني الحرية الفكرية، هو ما يعني كرامة الإنسان، هو ما يعني اتساع المعرفة، ما يؤدي إلى التفرق والاختلاف هو الميزة في هذا الدين]. فتقدم الأشياء معكوسة، وتُسمى بعناوين هي بعيدة عنها، وتُكتب فوقها عناوين هي أبعد ما تكون عنها.

أين الحرية لأمة متفرقة؟ أليس ذلك يؤدي إلى استعباد هذه الأمة؟ لأننا نجد في المقابل أن أولئك الذين ينطلقون نحونا ليستعبدونا ويستذلونا، أليسوا هم يتوحدون على أرقى ما يمكن فيه التوحد فيما بينهم في مواجهتنا؟ يتوحدون في مواجهتنا، وينطلقون جيوشاً من مختلف البلدان تحت قيادة واحدة لضابط أمريكي، وتوجيهات واحدة تصدر من تحته، ففي إطار هذه القضية الواحدة يتوحدون فيما بينهم، ونحن نتفرق ونصبغ تفرقنا بأنه هو الحرية الفكرية، ثم نقول في الأخير [اختلاف أمتي رحمة]. تجلّت الرحمة الآن، ألسنا مختلفين؟ هاهي الرحمة لكبارنا والرحمة لأفراد شعوبنا!!. تتحول إلى جنود لأمريكا وإسرائيل هذه هي رحمة، نصبح تحت رحمة اليهود والنصارى، هل هذه هي الرحمة؟!.

نعم اختلاف أمتي تجعلنا تحت رحمة اليهود والنصارى، هي رحمة تجعلنا تحت رحمتهم، هل رسول الله يريد لنا هكذا؟!. لا، الله لا يريد لنا هذا، رسوله لا يريد لنا هذا. {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة:29)، من الذي يعطي الجزية الآن عن يد وظهر وبطن وهم صاغرون؟ المسلمون والاّ أهل الكتاب؟ نحن نأتي نعطيهم بترولنا من الباطن، ونعطيهم عقولنا وقلوبنا في الظاهر، ونقدم أنفسنا بين أيديهم في الظاهر، أموالنا تسير إلى جيوبهم من باطن الأرض وظاهرها، وألسنتنا تخدمهم، وأقدامنا تتحرك في خدمتهم ونحن مع ذلك صاغرون تحت أقدامهم، هل هذه هي الرحمة؟.

فما الذي جعلنا هكذا؟ أن الأمة لم تعتصم بحبل الله جميعاً، ولم تكن أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فتكون مفلحة، وأنهم تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات، وأولئك لهم عذاب عظيم.

يدل على خطورة التفرق والاختلاف، وأنه في حد ذاته جريمة، هو في حد ذاته جريمة؛ لأنه توعد عليه بخصوصه بالعذاب العظيم، {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:105) أي متى كنتم مثل أولئك المتفرقين والمختلفين من بعدما تأتيكم البينات فماذا؟. فسيكون لكم عذاب عظيم كما كان لهم.

ألسنا متفرقين؟ أليست الأمة متفرقة ومختلفة؟ حتى الزيدية أنفسهم في داخلهم متفرقين ومختلفين، فأين نحن نسير، وكيف نحن؟.يعني كمثل من نحن؟. ألسنا كمثل أولئك الذي تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات؟، هل نحن نسير في طريق الجنة ونحن على هذا والاّ سايرين فين؟. طريق النار.

ثم مع هذا لا يهز فينا شعرة واحدة، ولا يحرك ضمائرنا ولا يقلق بالنا أن واقعنا هو واقع من يسيرون نحو النار. أليست هذه جهالة؟. أليست هذه هي غفلة شديدة؟. هذه هي غفلة شديدة, هذه هي جهالة عظيمة نحن نشهد على أنفسنا، ألسنا نشهد على أنفسنا؟. فإذا كنا نشهد على أنفسنا بأننا على النحو الذي هدد الله من كان على مثله بعذاب عظيم، فما الذي يجب علينا؟ ما الذي يجب؟ أليس الواجب علينا هو أن ننطلق لنكون أمة واحدة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ونتوحد لا نتفرق، ولا نختلف، لا نسمح للتفرق أن يتغلغل إلى صفوفنا، حتى ولا على شؤون الحياة، فإذا ما حصلت مشكلة نبادر إلى حلها نحن من جهة أنفسنا نحن المتشاجرين.نبادر إلى حل مشاكلنا.

من الطبيعي أن يحصل تشاجر، هذا يسمى تشاجر حول قضية معينة فلنبادر إلى حلها، إذا لم نحلها فإننا سنصبح متفرقين.. نحذر أن نتلقى من قنوات متعددة ثقافاتنا وتوجيهاتنا وخطط أعمالنا؛ لأننا سنختلف ستكون نظرتنا إلى دين الله مختلفة، ستكون نظرتنا إلى مختلف القضايا مختلفة، ستكون نظرتنا إلى هداية الله مختلفة وسنكون مختلفين.