القرآن الكريم

معظم بواعث التفرق هي البغي والحسد والمقاصد الشخصية.

برنامج رجال الله

السيد حسين بدر الدين الحوثي

في ظلال دعاء مكارم الاخلاق الدرس الأول صـ11ـ12.

فيما يتعلق بقيمة الإخلاص لله، فيما يتعلق بأجر العمل وهو في نفس الوقت له أثره المهم في توحيد كلمة الأمة، توحيد كلمة المجموعة، توحيد كلمة العاملين، بل وفاعليتهم سينطلقون بجد حتى وإن كان في ظلمات الليل في الصحراء لا ينتظر لأحد أن يلتفت إليه فيقول: ما شاء الله. يرى نفسه في حالة شديدة في الصحراء من البرد، من الجوع، من الألم لا يخطر بباله أن يتمنى [أن فلان يراني ليعرف أني أحسن من ذلك الشخص الذي رابض عنده أو أحسن من فلان الذي يعتمد عليه.. أو.. أو..] من هذه العبارات الكثيرة.

هو وحده واثق أن هناك من يراه هو الله، وهذا هو المهم أن يكون الله الذي يراه، هو وحده الذي يقبل عمله ذلك.. أليس الإخلاص هو الذي سيجعل كل جندي يتفانى في أي ميدان هو؟. أليس الذي هو سيقفل كل بواعث التفرق؟.

معظم بواعث التفرق هي: البغي، والحسد. والبغي والحسد منبعه هو: النظرة الشخصية، مصالح شخصية، حقوق شخصية، أهداف شخصية، ومقاصد شخصية.. أليس هكذا الله تحدث عن أولئك الذين تفرقوا من بعد أنبيائهم، أن ما كان يدفعهم للتفرق هو البغي هو الحسد. البغي من بعضهم على بعض اعتداءهم، ومتى ستعتدي على أخ لك في الله وأنت وهو منطلقان في ميدان العمل لله بإخلاص لله.

من الذي سيفرق بينكم؟ الله الواحد الأحد يمكن أن يفرق بينكم؟! وهو الذي لم يفرق بين أنبيائه جيلا بعد جيل، وهو الذي طلب منا كمؤمنين أن نؤمن بأن لا تفرقة بين أنبياءه {لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ}(البقرة: من الآية136) أبداً.. لا الله, ولا هديه، وإنما أنت أو أنا، إذا ما ابتعدنا عن الإخلاص لله سيظهر البغي سيظهر الحسد، ستظهر المصالح الشخصية، ستظهر المقاصد السخيفة، ستظهر الحماقة.

ثم حينها سيكون كل طرف قوي.. قوي في سبيل مواجهته للطرف الآخر؛ لأنه حينئذ أصبح يتحرك لتحقيق أهداف شخصية لديه، وما أحمق الإنسان وما أضعف إيمانه، وما أضعف يقينه بالله إذا ما كانت حركته قوية عندما يتحرك من أجل مصالحه الشخصية، ومن أجل تحقيق أهدافه ثم هو الضعيف الضعيف إذا ما كانت حركته لله وفي سبيل الله.

الإخلاص لله سيقضي على كل هذه السلبيات، على كل هذه الثغرات سيسدها. حتى تكون نيتك على هذا المستوى أيضا أنت من يفكر دائما في عظمة الله، وفي حاجتك إليه، وفي أنه وحده فوق كل طرف آخر ممكن أن تطلب منه شيئا أو تخاف منه شيئا، الثناء من قبله وحده عليك أعظم من أي ثناء من الآخرين عليك.

فمنه وحده أطلب أن ينتهي بنيتك إلى أحسن النيات، فقل: ((وانته بنيتي – يا إلهي – إلى أحسن النيات)) انتهِ بنيتي إلى أحسن النيات. هل أنِّي على هذا النوع؟ هل يكون هذا مقصدي؟ إليك أنت وحدك يا إلهي اجعل عملي على أحسن ما ترى، وجِّهْهُ إلى أحسن ما ترى. فأن يكون عملك في الله ومتى كان العمل لله انظروا ماذا عمل سبحانه وتعالى لأولئك من أهل البيت الإمام علي (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) عندما تصدقوا بشيء بسيط لكنه انطلق منهم على هذا النحو: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} (الإنسان:10).

هذه الروحية، هذه النية، تلك المقاصد هي التي جعلت حفنة من الشعير، أقراصاً معدودة تخلد ذكر أولئك الذين قدموها لمسكين واحد، وأسير واحد، ويتيم واحد، تخلد تلك الفضيلة وتلك العطية العظيمة البسيطة في القرآن الكريم، فنحن نقرأها لنعرف نحن كيف أن يكون همك هو أن تكون نيتك صالحة لله وفي الله، وأنت تعمل في سبيله، وأنت تقوم بأي عبادة من عبادات الله في صلاتك، في صيامك، في ذكرك لله، في حجك، في إنفاقك، في قولك الحق، في نصيحتك، في كل عمل تعمله يرضي الله أن يكون مقصدك فيه هو من أجل الله.

ستكون حينئذ الكلمة الواحدة يضاعف لك أجرها؛ لأن الله رحيم، فقط يريد منا أن نتجه إليه وأن نخلص له، أليس هذا هو أقل قليل يطلب منا؟. أما أنك تريد أن يرحمك، وتريد أن يدخلك جنته، وتريد أن يعمل لك كذا ويعمل كذا وكذا، وأنت حتى لا تتجه إليه؟!. هذه حماقة هذا أسلوب خاطئ جدا، هو يقول لك: اتجه إلي بعملك والقليل من عملك سأضاعفه، بل سأكتب آثاره {إنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}(يـس: من الآية12) الله يكتب ما قدمت أنت من أعمال، ويكتب آثارها.

أليست هذه من أظهر مظاهر رحمته بنا؟. فقط يقول لنا: أخلصوا, أخلصوا. ولأن الإخلاص له وهو الشيء الذي لم يخرج عن القاعدة العامة لهدي الله: أن كل شيء من الإيمان بالله أوّلا والإخلاص له كل شيء له أثر في حياتنا، أثر في نفوسنا، أثر في وحدة كلمتنا، أثر في أن تكون أعمالنا ذات أثر – كما تحدثنا عن الإخلاص –  ليس أن الله يقول هكذا من منطلق الأنانية، هل يمكن أن نقول كذا بالنسبة لله؟. بل لأن كل شيء هدانا إليه حتى توحيده هو له أهميته الكبرى فيما يتعلق بنفوسنا, وفيما يتعلق بمسيرتنا في هذه الحياة, ليس هناك شيء من دين الله ليس له أثر في واقع الناس، في واقع الحياة، في صالحهم في الحياة في عزتهم في الحياة، في كرامتهم، في عظمتهم في سعادتهم في كل شيء، لأن الله هو غني عن عباده، أليس كذلك؟.

لو كفر الناس جميعا بالله لن يضروه شيئا، لن ينقصوا من كماله شيئا، ولأنه الكامل ولأنه الغني الذي لا يحتاج إلى أحد هو من جعل كل شيء من هديه ودينه ذو مصلحة لعباده الذين هداهم إلى هذا الدين وأرشدهم إليه ودعاهم إليه لمصلحتهم في الدنيا وفي الآخرة، لو تأمل الإنسان هذه الأشياء: المظاهر المتعددة لرحمة الله لوقف خجلا مستحيا أمام الله، في ميدان الإخلاص، يقول لك توجه إلي.

وأنت لو تأتي ببديهتك ومن أول نظرة لتقارن بين الله وبين غيره لن تجد أحدا ترى نفسك مندفعة إليه غير الله سبحانه وتعالى لترجو منه, وتخاف منه, وتتمسك به, وتثق به.

ويقول (عليه السلام): ((وانته بنيتي إلى أحسن النيات وبعملي إلى أحسن الأعمال)). كما أنه مطلوب منا في مقام الإيمان، في مجال اليقين [أن تسعى إلى درجة الكمال في إيمانك في يقينك في نيتك، كذلك في الأعمال نفسها] لا تكن ممن يرضى لنفسه أن يقف عند أعمال معينة أن يضع لنفسه روتينا معيّنا في الحياة في العمل لله.. حاول دائما أن تبحث عن أحسن الأعمال، أن تشترك في أحسن الأعمال، أن تدخل في أحسن الأعمال، بل أن تكون سباقا إليها، لا تقل: [المهم حسنات سيكفيني هذا، وقد قالوا بأن من عمل كذا سيكون له كم حسنات، ثم تعدها عشر، وعشر، ثم تنظر كم سيكون لك في السنة!].