القرآن الكريم

لا شيء اكبر واعظم من التفريط في المسؤولية.

برنامج رجال الله اليومي.

السيد حسين بدر الدين الحوثي.

سورة ال عمران الدرس الرابع صـ3ـ4.

وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}(آل عمران: من الآية110) أصبحوا في وضعية تؤهل غيرهم أن يستبدلوا عنهم.

ومع ذلك ما يزال المجال أمامهم مفتوحاً، فلوا آمنوا لكان خيراً لهم، ولو آمنوا لكان خيراً لهم، ولكانوا على ما كانوا عليه من قبل، يسيرون تحت لواء محمد (صلوات الله عليه وعلى آله) كما ساروا تحت لواء موسى وعيسى وغيرهم من أنبياء الله، من بني إسرائيل.

نفس المسالة بالنسبة للعرب أنفسهم، بالنسبة لأهل البيت أنفسهم، عندما يفرطون، عندما يتوانون، عندما يقصرون، فيكون المظهر العام، المظهر العام هو: التفريط، هو التقصير، هو الضلال، هو الفسق، يتعرضون لما تعرض له بنوا إسرائيل من الاستبدال، فهذه سنة إلهية، يتعرض العرب لما تعرض له بنوا إسرائيل من الاستبدال، ويكونون جديرين بأن تضرب عليهم الذلة والمسكنة، وأن يبوءوا بغضب من الله، كما ضربت على بني إسرائيل، لأن القضية واحدة، كما كان بنوا إسرائيل هم خير أمة أخرجت للناس في تاريخهم الطويل، كذلك العرب {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وهذه هي مسؤوليتكم {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}.

فالتذكير بالمسئولية، هو يذكر أيضاً بخطورة التفريط فيها، ولا شيء أعظم من التفريط في المسئولية، في قضية كبرى كهذه؛ لأنه تفريط في السبق، تفريط في فضيلة عظيمة، في شرف عظيم، تفريط في البشرية كلها، لو تحرك العرب، واستقاموا على الطريقة، وتمسكوا بالثقلين، كما أمرهم رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) لكانوا هم من تصلح البشرية على أيديهم.

عندما فرطوا قدموا الإسلام بطريقة غير مقبولة، وبشكل مهزوز، ضربوا جاذبيته في أعين الناس، وفي قلوب العالمين، فأصبح لا يشد أحداً إليه. عندما فرطوا هم فرطوا في البشرية كلها، وأصبح معظم سكان الأرض لا يدينون بهذا الدين، أصبحوا هم – عندما فرطوا – أمة في هذا الزمن، هذا الزمن الذي توفرت فيه كل عوامل القوة، وأخرجت الأرض خيراتها من باطنها وظاهرها بشكل ربما لم يسبق له مثيل في تاريخ هذا العالم بكله، يظهرون أمة مستضعفة، أمة جاهلة، أمة مشتتة، أمة لا تستطيع أن تفك عن نفسها ربق الذلة، تستجدي هذا، وتستجدي هذا أن يفك عنها عدواً يمثل في عدده أصغر شعب من شعوبها. عندما فرطوا في المسئولية هكذا أصبح الواقع بالنسبة لهم.

إضافة إلى أنهم فرطوا في البشرية كلها؛ لأنكم {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} كل الناس، أما كان هذا شرف عظيم أن العربي الواحد يصبح شريكاً في أجر من يهتدي في هذا العالم بكله، من أقصاه إلى أقصاه، في هذه الأرض بكلها.

من العجيب عندما نأتي إلى البعض فيكون همه من هذه الآية هو: أن يتحدث بأن في هذه الآية شرف للعرب {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}(البقرة: من الآية143) فهذه هي أمة وسط، يأخذ منها هذا فقط، مسألة: أن الله شرفهم بأن جعلهم أمة وسطاً، أو يقول: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} هذه فضيلة عظيمة! وأحيانا يحاول أن يخص بها أولئك الصحابة، وانتهى الموضوع!.

إنها مسئولية كبيرة جداً، إنها مسئولية كبيرة جداً، بدءاَ من أولئك الذين كانوا أول المسلمين، في أيام رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) هو من ذكَّرهم بها؛ ولهذا قال فيما بعد: {وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} الذي يشكل ضابط الالتزام لديكم حتى تؤدوا مسئوليتكم بنحو صحيح، وعلى شكل صحيح.

عندما فرطوا، عندما لم يكن إيمانهم بالله بالشكل الذي يجعلهم يلتزمون حرفياً، إيماناً واعياً. هم كانوا مؤمنين بالله وبرسوله، لكن الإيمان درجات، الإيمان درجات، لم يكونوا بمستوى أن يعوا، أن يعوا من خلال القرآن، ومن خلال محمد (صلوات الله عليه وعلى آله) عظم المسئولية الكبرى، وكيف يكونون بمستواها، ولم يأت التقصير، لا من خلال القرآن، ولا من خلال رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) الذي هو أفصح العرب، أفصح العرب، وأنشط الأنبياء في عمله، أكثرهم نشاطاً، وأعظم البشر تبليغاً بوسائله، وبمنطقه.

عندما لم يعوا مسألة الإيمان بالشكل الذي يجعلهم يلتزمون حرفياً بتوجيهات الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) بالقرآن الكريم بدأ التفريط من أيامهم، بدأ التفريط ورسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) على فراش الموت مريضاً في آخر أيامه، عندما قال: ((هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده)) فجاء عمر مع مجموعة كبيرة داخل مجلس رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) ليعارضوا بأن يقدم لرسول الله قلم ودواة، فيأمر بكتابة من يكتب مالا تضلوا بعده، مالا تضل الأمة إن تمسكت به، فعارض عمر، وأثاروا ضجة في مكان رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) وقالوا: [حسبنا كتاب الله]! لو كانوا يعرفوا كتاب الله بالشكل المطلوب لكان عليهم أن يقدموا لرسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) قلماً ودواة حتى يكتب ذلك المكتوب الذي يريد أن يكتبه، يأمر بكتابته حتى لا تضل الأمة من بعده.

بوادر التخلي عن المسئولية، عن المسئولية الكبرى بدأت ورسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) كان ما يزال حياً بكامل وعيه، وهو في آخر أيامه مريضاً على فراش الموت.

{وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}؛ لأن مسألة أن تحمل المسئولية، وأن تفهم المسئولية هي لا بد أن تكون على النحو الذي هداك الله إليه في أدائها، وفي حملها، وفي تمثيلها، وأن تكون على هذا النحو من الالتزام لا بد أن يكون إيمانك بالله قوياً، قوياً.

فعندما يأتي عمر وهو رجل بتلك الأعمال: تنصيب أبي بكر، ثم تنصيب عثمان من بعد، هو كله عمل عمر، هو الذي قال لأبي بكر أمدد يدك أبايعك، ولم يمد يده ليبايع تلك اليد التي رفعها رسول الله في [يوم الغدير]، يد علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين عندما رفع رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) يده في يوم الغدير وقال: ((من كنت مولاه فهذا علي مولاه)) ولم تكن الأمة من بعد، ولا أولئك الصحابة أنفسهم، لم يكونوا بمستوى حمل المسئولية، هم من بدءوا يفرطون، عندما يلتفون حول اليد التي مدها عمر، ولم يلتفوا حول اليد التي رفعها رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله).

من الأولى – إن كانوا يؤمنون بالله وبرسوله (صلوات الله عليه وعلى آله) إيماناً واعياً – أن يلتفوا حول يد مدها عمر [امدد يدك أبايعك] أو حول يد رفعها رسول الله على نحو من مائة ألف من المسلمين يرونه جميعاً ((من كنت مولاه فهذا علي مولاه))؟.

إنها آية خطيرة، تذكِّر بعظم المسئولية، وتثير الجانب العاطفي لمن يتأمل هذه الآية، وكأنه يذكِّر كيف ستكونون، لو كنتم تعرفون مسئوليتكم، وتعرفون كيف تحملونها {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} مثلما نقول: [حمِّيْهَا، كان المؤمل فيها كذا..، وكانت..، وكانت..، وكانت…]؛ لهذا جاءت بالشكل الذي يوحي بان الأمة هذه ستتحسر على ماضيها، عندما ترى أنها فرطت، وضيعت، لم تأت العبارة بلفظ: [أنتم خير أمة أخرجت للناس]، {كُنْتُمْ…} يقول المفسرون، معناها: وُجِدتم، بدون لحظ ماضي، وجدتم هكذا {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}.

ما هو الفارق بين أن يقول: أنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وبين أن يقول: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} فعلاً اخترتم لحمل هذه المسؤولية، وكنتم – مقارنة بالأمم الأخرى، مقارنة بالأمم الأخرى – من يؤمل فيهم أن يكونوا بمستوى حمل هذه المسئولية، ولكن ماذا؟ كيف يقول الناس؟ [حمِّيْهَا]، أليسوا يقولون هكذا؟ يمسك على لحيته ويقول: والله كنتم المؤمل فيكم، أنتم كنتم المؤمل فيكم، أن تكونوا من تحملون المسئولية، من ترفعون راية الإسلام، من تصلح البشرية على أيديكم، من تقاتلون في سبيل الله حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله في الأرض كلها، ويظهر دينه على الأديان كلها، وتظهر كلمته على الكلمات كلها، ولكن فرطتم، وما زال التفريط، ما زال التفريط منذ  أن كان رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) مريضاً إلى اليوم.

يتحرك الدعاة الآن ليلفوا الناس، ليلفوا الناس حول تلك اليد التي مَدت، والتي طلبت أن تُمَد، يد أبي بكر وعمر، عمر هو الذي قال: أمدد يدك، وأبو بكر هو الذي مد يديه، يدين، كم الفرق بينهما؟ بين يد رسول الله، ويد علي بن أبي طالب، يد تَرفَع، ويد تُرفَع؟ ويعملون جاهدين أولئك الدعاة على أن تهبط هذه الأيدي، وتكسر هذه السواعد، ولترفع تلك اليدين، [أمدد يدك أبايعك] يد أبي بكر، وعمر، أليس هذا هو ما يعملون له؟.