القرآن الكريم

أهمية الايمان بجهنم واليوم الأخر وضرورة ذلك في صلاح أنفسنا واستقامتنا.

برنامج رجال الله اليومي.

السيد حسين بدر الدين الحوثي.

معرفة الله وعده ووعيده الدرس التاسع صـ 5ــ 6.

الإيمان بجهنم، الإيمان باليوم الآخر على هذا النحو الذي يجعلني خائفاً، هو نفسه الإيمان بأن الله شديد العقاب، الإيمان بأن عذابه هو العذاب الأليم، ومن هذا الطريق تأتي إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وليترسخ في نفسي الخوف من جهنم؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم الآيات الكثيرة التي تتحدث عن تفاصيل جهنم بشكل رهيب.

القرآن الكريم تحدث عن وقودها فقال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة:24) وقودها الناس والحجارة تصبح أنت مجرد وقود لجهنم من شدة العذاب – نعوذ بالله – تصبح أنت جزءاً من النار، وكتلة من النار، ووقودها الحجارة، الصخرات التي تتحول إلى جمرات متوهجة، نار ليست ذات درجة حرارة ثابتة بل هي نار متسعرة، ملتهبة، متسعرة، فيقول الله سبحانه وتعالى: {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً}(النساء: من الآية55) والعذاب فيها – نعوذ بالله منها – العذاب فيها ليس فترة محدودة أو لعمر محدود قد ينتهي فينتهي الألم. الله يقول عن أهل جهنم وهم يعذبون فيها: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ}(النساء: من الآية56) يقال: أن الجلد هو منطقة الإحساس فالجلد هو من يحترق، فكلما احترق يبدل ليبقى الألم مستمراً.

الآلام في الدنيا قد تصل إلى درجة أن تفقد وعيك، فتفقد إحساسك فتصبح في واقعك مرتاحاً غير متألم، هناك في جهنم لا يفقد الإنسان وعيه, ولا يتلاشى حتى ينتهي وجوده فيدخل في غيبوبة مطلقة فلا يعد يحس بشيء، بل يبقى يتألم، وكل عضو يفقده من احتراق في آنٍٍٍ يتجدد ذلك العضو من جديد.

جهنم الشيء المؤسف، والشيء العجيب من حالة الإنسان: أن تكون جهنم التي تحدث الله عن شدة عذابها، تحدث عن حالة أهلها السيئة، البالغة السوء، أن يكون اتجاه الناس إليها، إتجاه الناس، أغلب الناس إليها، وتلك الجنة التي تحدث عنها في كل كتبه، ووصفها لعباده، القليل منهم من يدخلها!.

يقول عن جهنم، يبين لك أن من يدخلها هم أمم، أمة بعد أمة، وجيل بعد جيل: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ}(الأعراف:38) هذه الآية تشبه الآية الأخرى، لتدل على أن الأكثرية من البشر هم متجهون إلى النار {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}(يـس: من الآية60) هذا مما يقول الله سبحانه وتعالى, مما سيقوله لبني آدم يوم القيامة، فترى كيف الخطاب خطاب عام {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (يـس60-63) أليس جزءاً من الكلام معهم؟ {اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} (يـس:64).

قضية مؤسفة جداًً، وهذا هو ما كان يؤلِّم أنبياء الله في كل زمان، وهو ما كان يظهر على الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) شدة تألمه، تحسره على الأمة، تلك الأمة التي يعيش في عصرها والأمة من بعده إلى آخر أيام الدنيا، متألم جداً ومهتم بأمرهم جداً، يعمل بأي طريقة أن يعمل ما يصرفهم عن جهنم.

ولهذا كان (صلوات الله عليه وعلى آله) وكذلك كان أنبياء الله جميعاً يعملون بكل جد واجتهاد لنصح الناس ويعانون ويتعبون ويعذبون ويشردون ثم يقتل كثير منهم وهم في جد في عملهم في إبعاد الناس عن جهنم لكن لا ينفع؛ لأن الناس كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} (يـس:62) أفلم تكونوا تعقلون: ما جاء من آيات في كتبي، ما جاءت به رسلي؟! {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ}(الأنعام: من الآية130) أفلم تكونوا تعقلون ذلك الهدى، أفلم تكونوا تعقلون ذلك الهدى الذي فيه نجاتكم، الذي فيه إبعادكم من أن يضلكم الشيطان، من أن يدفع بكم جميعاً على هذا النحو: إلى أن تكونوا من أصحاب السعير، أفلم تكونوا تعقلون؟.

هنا: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ}(الأعراف: من الآية38) – أممٍ – أمة بعد أمة {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا}(الأعراف: من الآية38) يتلاعنون [أنتم الذين أضليتمونا، أنتم الذين عملتم كذا، لعنة الله عليكم..!] هكذا يصبح أهل النار حياتهم فيها حياة اللعن لبعضهم بعض، أصبحوا هناك عاقلين، أصبحوا فاهمين، أصبحوا كتلاً من الحقد على بعضهم بعض خاصة الضعاف المستضعفين، تكون حسراتهم أشد، العذاب النفسي يكون عليهم أشد.

والقرآن الكريم عرض ما يتعلق بالمستضعفين من الناس هؤلاء العوام، عامة الناس، البسطاء، هم أكثر الناس عذاباً نفسياً، تألم وحسرات هم لهم عذاب لكن الحسرات التي تقطع القلوب تكون على المستضعفين، على الأتباع، على المساكين, المساكين – بتعبيرنا – فيما يتعلق بالمقارنة بين الكبار والصغار.

{كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا} لعنت مثيلتها لعنت السابقة قبلها. {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً}(الأعراف: من الآية38). تلاحقوا وأصبحوا جميعاً فيها {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ}(الأعراف: من الآية38) هنا كل أمة تعرف من أين كان منبع ضلالها، أنها تلك الأمة السابقة أولئك هم الذين أضلونا فهم في النار في جهنم كتلاً من الحقد عليهم يحاولون إذا ما زال هناك شيء يمكن أن يضاف لأولئك من العذاب: {رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ}(الأعراف: من الآية38) أضف لهم، أضف لهم عذاباً هم الذين أضلونا في الدنيا, كنا نقول فيهم: كذا وكذا، وكنا نقدسهم، وكنا نعتبرهم أعلام الحق، وكنا نتمسك بهم، وكنا وكنا…. إلى آخره؛ فإذا هم في الأخير هم من أضلونا!.

لاحظ ما الذي سينفعهم في النار؟ هذا الكلام: أنهم عرفوا أن أولئك هم الذين أضلوهم فأصبحوا يلعنونهم وأصبحوا يطلبون من الله بإلحاح أن يزيدهم عذاباً فوق عذابهم، هل سينفع هؤلاء المساكين؟.

هذه الآيات توحي لنا بأنه هنا في الدنيا، في الدنيا، إلعن أولئك الذين أضلونا، إلعن أولئك الذين أضلوا الأمة من سابقين أو من لاحقين، إن لعنتهم هنا في الدنيا هي التي ستجدي، أن تفضحهم هنا في الدنيا، وأن تطلب من الله أن يخزيهم وأن يخزي من يسير على نهجهم، هنا في الدنيا سينفع، أما نأتي ندافع عنهم هنا في الدنيا ونتمسك بهم، ونرفض القرآن ونرفض الرسول من أجلهم ثم نرى أنفسنا في يوم القيامة وإذا نحن تحت أقدامهم في النار ثم نلعنهم ثم اكتشفنا بأنهم هم كانوا سبب ضلالنا {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ}(الأعراف: من الآية38).

أليس هناك من يقول: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ}(البقرة: من الآية134) لا.. الأمة الواحدة الآخرون قد يكونون سبب ضلالهم ولو كانوا بعد ألفين سنة أو ثلاثة آلاف سنة، قد يكون سبب ضلالهم أولئك المتقدمين عليهم بألفين سنة، بثلاثة آلاف سنة، بأربعة آلاف سنة، أن يكتشف الناس أن أولئك هم الذين أضلوهم وهم الذين أوصلوهم إلى قعر جنهم. ماذا سينفعهم أن يكتشفوا في النار ذلك، هل سينفعهم؟ لا.

هنا في الدنيا اكتشف، هنا في الدنيا إبحث، هنا في الدنيا إعرف منابع الضلال، إلعن المضلين هنا في الدنيا، إبتعد عنهم هنا في الدنيا, إكشف حقائقهم هنا في الدنيا، لا تنطلق لتدافع عنهم، تتأول لهم، تغطي على جرائمهم, على سوء آثار ما عملوا، تجد نفسك في الأخير وأنت بديت هنا في الدنيا مقدساً لهم، وبديت في الدنيا مجلاً لهم، أنت في الآخرة ستطلب زيادة إن أمكن هناك زيادة في العذاب لهم, أصبحت تكرههم كراهةً شديدة، تمقتهم مقتاً شديداً، تلعنهم لكن ذلك لن ينفعك!.

{قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ}(الأعراف: من الآية38) هم لهم ضعف من العذاب؛ لأنهم أضلوا وزينوا الضلال، وروجوا للضلال، وأنتم لكم أضعاف؛ لأنكم قبلتم، لأنكم لم تكونوا مستبصرين، لم تفهموا، لم تتبينوا، لم تتحققوا، كنتم تصمون آذانكم عن دعاة الحق، كنتم تعرضون بوجوهكم عن أعلام الحق والهدى! لكم أضعاف, وهم لهم أضعاف {لِكُلٍّ ضِعْفٌ} للأولين وللآخرين.

لماذا أصبحوا متألمين عليهم؟ {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ}(الأعراف: من الآية38) تألموا جداً لأنهم قالوا: {رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا}(الأعراف: من الآية38) اكتشف هنا لتقول: {رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا} فنحن نبرأ إليك منهم هنا في الدنيا، لتسير في غير طريقهم، لتكون في يوم القيامة بعيداً عنهم، لست ممن يصرخ كصراخهم في قعر جهنم، تكون أنت من الفائزين، تكون أنت من الناجين.

هذه القضية بالذات بدت في القرآن الكريم في أكثر من آية تنبه الناس على أنهم في الآخرة – هؤلاء الضالين والمضلين الكبار والأتباع سيكونون في الدنيا – تتجلى الحقائق فيرون أنفسهم كيف ارتكبوا خطئاً كبيراً أودى بهم إلى تلك العاقبة السيئة سواءً كانوا بشكل أمم، أمة تلعن أمة، أو شخص يلعن شخصاً كان في الدنيا يضله، أو فئة تلعن فئة، أو مرؤوس يلعن رئيساً، أو مواطن يلعن كبيره.