القرآن الكريم

البرنامج اليومي (مظاهر رحمة الله الواسعة للإنسان في مختلف نواحي الحياة).

برنامج رجال الله اليومي.

معرفة الله عظمة الله الدرس السابع صـ3ـ4.

السيد حسين بدر الدين الحوثي.

هو الله وحده فبه ثِق، وعليه توكل، وإياه فاسأل، وبه فاستعِن، وإليه فارغب، وإياه فارهب، وإياه فاعبد، وله فأخلص {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}. أليست هذه واحدة تكفي أن تتعامل مع الله على هذا النحو، وأن تنظر إليه هذه النظرة؟ لأنه لا إله ءَأْلَهُ إليه، أتجه إليه، أصْمُد إليه، أقصده، أعبده إلا الله.

{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أليست هذه صفة أخرى إيجابية تدفعني إلى أن أثق به، وأطمئن إليه، وأشعر بعظمته، وأرسخ في نفسي الشعور بعظمته؟ هو عالم الغيب والشهادة، فهو من إذا وثقت به وثقت بمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وثقت بمن لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فمتى يمكن أن يَسْتَغْفِلني أعدائي إذا كان وليي هو من يعلم الغيب في السموات والأرض، هو عالم الغيب والشهادة؟ ومتى أحتاج فلا يسمعني, متى أدعوه فلا يسمعني؟ ليس له مجلس معين فقط متى ما سرنا إلى بوابة ذلك المجلس يمكن أن نقابله.

هو معكم أين ما كنتم, هو من يعلم الغيب والشهادة.. بالنسبة له كل شيء شاهد ليس هناك غائب بالنسبة له سبحانه وتعالى إنما ما هو غائب وشاهد بالنسبة لنا الله يعلمه, {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} {هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} هو الرحمن الرحيم.. وكما قلنا سابقاً بأن مجموع اللفظتين تفيد المبالغة في أنه رحيم بعباده.

ولو تأملنا من خلال هدايته للناس، من خلال تشريعه للناس، من خلال تدبيره لشؤون عباده، لشؤون مملكته لوجدنا ما يبهرنا من مظاهر رحمته بنا، لوجدنا ما يبهرنا من مظاهر حلمه عنا. رحمته الواسعة بنا ونحن ما نزال في بطون أمهاتنا، وبهذا ذكَّرنا في القرآن الكريم.

رحمته بنا ونحن في أحضان أمهاتنا، يعطفن علينا بقلوب مليئة بالرأفة والشفقة على الرغم من أننا نكون في ظرف لا ننفعهن فيه بشيء، بل نؤذي الأمهات. أليس الولد يؤذي أمه بأشياء كثيرة؟ يقلقها وقت نومها، يقلقها أثناء عملها، يوسخ ثيابها، وتخدمه بكل رغبة، تخدمه بكل ارتياح، يعجبها وترتاح حتى بأن تسمع صوته، وإن كان في منتصف الليل بعد أعمال شاقة طول النهار، يعجبها أن تسمع صوته، وتضمه إلى صدرها, وتَحْنُو عليه بقلبها وعطفها.

وهكذا تجد في مختلف الحيوانات الأخرى، حتى تلك الحيوانات الشرسة، تلك الحيوانات ذات المنظر البشع, أنثى التمساح التي ليس لها حِجْر تحتضن صغارها فيه، أين تضع صغارها؟ في فمها, ذلك الفم الممتلئ بالأسنان الرهيبة، فم طويل فيه مواشير من الأسنان فتحمل أولادها برفق وشفقة فوق أسنانها الرهيبة المفترسة، فيحس بالطمأنينة، ويحس بالإرتياح فوق تلك الأسنان، التي لو رآها واحد منا عن بُعْد لولى هارباً من بشاعتها!. لا تحاول أن تطبق فمَها على صغارها، تطبق فمها بالشكل الذي فقط يمسك صغارها. الرحمة حتى داخل الفم الممتلئ بالأسنان المفترسة البشعة الشكل, الكثيرة العدد.

وهكذا تجد في بقية مخلوقات الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق بمرحلة من مراحل المخلوقات هي مرحلة الولادة، ومرحلة الحضانة للصغار.

مظاهر رحمته بنا واسعة جداً حتى في تشريعه لنا، يشرع لنا ما هو ضروري بالنسبة لحياتنا أن نسير عليه، حتى وإن لم يكن هناك من ورائه لا جنة ولا نار. المتأمل يرى بأنه ضروري فعلاً للحياة، أليس الناس يشرعون لأنفسهم قوانين ودساتير؟ هل وراءها جنة ونار من الدولة التي تشرعها؟. لا.. مجرد تشريعات يقال: تمشون عليها لتستقر الحياة السياسية والاقتصادية، ويحصل استقرار داخل هذا الشعب أو ذاك الشعب فيسعد الناس. هذا كل ما يقولونه من وراء ما يشرعون. ومع هذا ما أكثر الأخطاء التي تظهر في تلك التشريعات؛ لأنها ناقصة جاءت من قاصرين وناقصين شرعوها للناس، الناس الذين لا يمكن أن يعلم بما هو تشريع مناسب لهم إلا الله الذي خلقهم.

تأتي إلى الله سبحانه وتعالى تجد كيف أنه فيما هدانا إليه وفيما شرّعه لنا مما هو ضروري بالنسبة لحياتنا أن تستقيم عليه، وأن يسعد الناس في السير على نهجه، يأتي ليعدنا على ذلك بالأجر العظيم, والثواب الكبير، برضاه, وبالأمن يوم لقاه، وبالجنة التي عرضها السموات والأرض, التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتَلَذّ الأعين. أليس هذا من مظاهر رحمة الله؟.

لو أتى رئيس من الرؤساء وصاغ دستوراً معيناً، أو قانوناً في مجال من المجالات وقال: من التزم به وسار عليه فسوف نعطيه قطعة أرض في محافظة (حضرموت) سعتها كذا وكذا.. بمضختها بالقائمين عليها، لاتجه الناس كلهم إلى تطبيق ذلك القانون، ولآمنوا به أعظم من إيمانهم بالقرآن, من أجل أن يحصلوا على قطعة أرض، أو من أجل أن يحصل الواحد منهم على وظيفة معينة.. وما قيمة الوظيفة، وما قيمة قطعة أرض في مقابل جنة عرضها السموات والأرض؟!.

{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً}(محمد:15) أليس فيها أنهار؟ كل هذه الأنهار، كل تلك الجنات المتدلية الثمار، كل تلك الجنات الواسعة المساحات، كل ذلك النعيم الدائم الذي لا ينقطع، كله يعتبر زيادة منه سبحانه وتعالى، رحمة لعباده، وعدهم به فيما إذا ساروا على هديه، والتزموا بتشريعه، أن يمنحهم ذلك النعيم العظيم.. هذه رحمة عظيمة.

ثم تجد أثناء دفعه للناس إلى أن يلتزموا بتشريعه، ودفعه بالناس إلى أن يسيروا على صراطه المستقيم الذي يوصلهم إلى مستقر رحمته الجنة، يفتح أبواباً في الدنيا, أبواباً كثيرة لمضاعفة الأجر: من أول وَهْلَة الحسنة بعشر حسنات.

أي الناس من أقاربك, من أرحم الناس بك يمكن أن يبادلك على هذا النحو في تصرفاتك معه: الحسنة بعشر حسنات! هل يمكن أمُّك أن تتعامل معك على هذا النحو في أمور تخصها فتقول لك: يا بني اسرح اعمل وحاول أن تدخِّل لي مائة ريال وأنا سأعطيك بدل المائة ألف ريال، هل هذا يحصل؟ أو أبوك ممكن أن يعمل هكذا؟. أو حتى أولادك ممكن أن يعملوا هكذا؟ أي من الناس ممن هم رحماء بك يمكن أن يتعاملوا معك على هذا النحو؟ من حيث المبدأ مائه بألف ريال أو حسنة بعشر حسنات؟. لا أحد إلا الله.

من الذي فرض عليه هذا؟. هل أحد فرض عليه هذا من جهة عباده؟. لا.. هو الرحمن الرحيم، هو الرؤوف الرحيم الذي يدفعنا بأي وسيلة، ويشجعنا بأي وسيلة, ويعمل هو على تكثير حسناتنا؛ لنكون جديرين بما وعد به أولياءه، ويثقِّل موازين حسناتنا يوم القيامة هو, حسنة بعشر حسنات, سيئة واحدة منك يكتبها واحدة، تتوب تمحى بكلها ويبدل لك حسنات مكانها، أليست هذه رحمة؟ {فأولئك يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (الفرقان: من الآية70) {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}(هود: من الآية114) يحاول أن يحتفظ لك برصيدك من الحسنات مهما أمكن، إلا أن تأتي أنت بحماقتك فتعمل ما يحبطها، رغماً من محاولاته فتصبح أنت من جنيت على نفسك.

قد أعتذرُ إلى شخصٍ أسأت إليه، ماذا يمكن أن يعمل لي بدل اعتذاري إليه؟. سيقول لي: [جاهك على الرأس يا رجّال، وكانت زلّة وانتهت، ونحن اخوة من الآن فصاعدا]. أليس هذا كل ما يمكن أن يعمله شخص يحترم وصولك إليه لتعتذر من زلة بدرت منك نحوه؟. أما الله فهو يتوب عليك, بل هو أحياناً – ومع بعض عباده – يحاول هو أن يتوب عليهم أولاً ليتوبوا {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَـتُوبُوا}(التوبة: من الآية118) يعمل على أن يدفعهم إلى أن يتوبوا، بلطفه، وبتوفيقه ثم يتوبوا فيتوب عليهم، ومتى ما تاب أحدنا من زلة بدرت منه، أو سيئة هي في نفس الوقت ضر عليَّ وليست على الله. هل هناك ضر على الله فيما أعمل؟ فلأنني رفعت ضراً عن الله قدّر لي ذلك العمل فبادلني بحسنات بدل تلك الأزمة التي فكيتها عنه؟. ليس هكذا.

الله لا تضره معاصينا، معاصينا ضر علينا نحن، ولكن على الرغم من ذلك يأتي هو فيبدل – عندما نتوب إليه – يبدل سيئاتنا بحسنات، الأمر الذي لا يكاد أن يفعله أي شخص أبداً ممن تعتذر نحوهم من زلة بدرت منك إليهم وإن كانت ضراً عليهم. أما الله فهو الذي لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه، وهكذا يتعامل معنا.

ثم هل هذا هو أكثر ما يمكن الحصول عليه, وما يمكن أن يعمله بالنسبة لمضاعفة الحسنات؟. لا.. يفتح مجالات واسعة، ويفتح أبواباً واسعة: في خلال اليوم أوقات معينة فيها صلوات يُضاعِِف فيها الأعمال. في خلال الأربعة والعشرين ساعة هناك وقت متأخر في ثلث الليل الآخر يضاعف فيه الأعمال والحسنات أكثر. هناك داخل الأسبوع يوم واحد يضاعف فيه الحسنات وهو يوم الجمعة، في نفس هذا اليوم ساعة واحدة يضاعف فيها الأجر أكثر. في السنة هناك شهر يضاعف فيه الحسنات أكثر إلى سبعين ضعفاً، وفي نفس الشهر ليلة واحدة يضاعف فيها الحسنات آلاف الأضعاف، ليلة القَدْر.. هكذا بالنسبة للزمن.