القرآن الكريم

البرنامج اليومي (النية التي تجعل لعملك قيمة أو تجعله لا قيمة له حتى وإن سقطت ضحية في الميدان).

برنامج رجال الله.

السيد حسين بدر الدين الحوثي.

في ظلال دعاء مكارم الأخلاق الدرس الأول صـ 9 ـ 10.

نحن نقول: ليس فقط بنو أمية الذين يتحملون أوزار هذه الأمة، بل وأولئك الذين تخاذلوا تحت راية الإمام علي، من صف الإمام علي، ومن صف الإمام الحسن، ومن صف الإمام الحسين، ومن صف الإمام زيد ومن بعده من الأئمة كل من تخاذلوا هم ممن يتحمل الأوزار الكثيرة.

ليس فقط أوزار العرب – هذه خطورة تخاذلنا نحن العرب – العرب إذا ما تخاذلوا يتحملون حتى أوزار الآخرين من الأمم الأخرى؛ لأنهم هم لو استقامت دولة الإسلام في وسطهم، لو استقرت وضعيتهم، وكانوا على صراط الله وهدي الله، هم من سيستطيعون أن يغيروا وجه الأرض هذه بكلها، فكل تخاذل أنت مشارك فيه وزر ذلك الرجل في طرف استراليا, أو في المكسيك, أو في أمريكا أو في أي منطقة.

خطورة هذه على العرب أكثر من غيرها فعلا؛ لأن الله قال فيهم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}(آل عمران: من الآية110) لتهدوا الناس فإذا ما تخاذلتم عن أن تقوموا بهذه المهمة فإنكم شركاء في أوزار الناس, كل الناس. من الذي كان بإمكانه أن يبلغ هذا الدين؟ الذي كتابه عربي ولسانه عربي وأعلامه عرب؟ إلا العرب أنفسهم لكنهم تخاذلوا فرأينا ما رأينا. من أين يأتي التخاذل؟ من ضعف الإيمان، من ضعف الإيمان.

ويقول (عليه السلام): ((واجعل يقيني أفضل اليقين)) يكون الوعي أحياناً بشكل معلومات مهما بلغت درجته، يكون بشكل معلومات في نفسك حتى يطمئن إليه قلبك ويستقر في قلبك فتبلغ درجة اليقين التي تؤهلك للاستقامة والثبات.

أليس القرآن الكريم هو أرفع درجات الوعي؟ احمل مصحفاً صغيرا في جيبك هل ستكون واعيا إلى درجة عالية؟ لا. قد تكون في أعمالك بالشكل الذي يضرب القرآن وهو في جيبك. لا بد للأشياء أن تنتهي في نفسك إلى درجة اليقين، تترسخ فتنطلق هي لتجعل من قوامك مستقيماً مستقراً ثابتاً {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}(فصلت: من الآية30) {قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} قالوها بألسنتهم فوعوا معانيها، ثم ترسخت في أنفسهم بشكل يقين فاستقاموا، استقاموا وثبتوا.

اليقين هو معنى أن تكون عظيم الثقة بالله. ألسنا نؤمن – كمعلومات – أن الله على كل شيء قدير؟ وأن الله سينصر من نصره إن الله لقوي عزيز؟ ألسنا نؤمن بأن الله مع الذين آمنوا؟ وأن الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور؟ وأنه وعد المجاهدين في سبيله بأن يؤيدهم بنصره وبملائكته؟ هذه مجرد معلومات.. أليس كذلك؟.

لكن نريد أن تصبح يقينا في أنفسنا, يقينا في أنفسنا, حينها نلمس أننا أصبحنا عظيمي الثقة بالله، واثقين بالله، واثقين بصدق وعده.. هذه حالة نفسية تحتاج فيها أيضاً إلى أن ترجع إلى الله لتطلب منه هو: ((واجعل يقيني أفضل اليقين)).

الله هو الذي يملك القلوب، ويملك النفوس وهو الذي سيهيئ لك الكثير والكثير مما يصنع اليقين في نفسك، مما يملأ قلبك يقينا وطمأنينة.

وحتى لا نغلط أن نقول: نحصل على وعي، ولكننا نرى أنفسنا ليس وعينا أكثر من مجرد معلومات، هي نفسها غلطة كغلطة من يضع لنفسه خطا هناك، أنت ستضع لنفسك أيضا خطا هنا: علمت من خلال التحليل الفلاني للآية الفلانية، من خلال مشاهدات معينة, من خلال كذا أو كذا. حاول أن تنطلق إلى أن ترسخ هذه كلها في نفسك لتتحول إلى يقين، وإلا فستكون أيضاً جنديا ضعيفا ومؤهلا لأن تُضرب في دينك وأمتك من جديد.

هي الحالة التي نعاني منها جميعاً نحن المسلمين, أليس القرآن بين أيدينا؟ أولسنا بعيدين عنه؟. ما الذي ينقصنا؟ هل هو العلم بأن القرآن من عند الله؟. نحن نعلم جميعا لكن مجرد معلومة.. ما الذي يجعلنا نتعامل مع القرآن بالشكل الذي يجعل علمنا به واقعا في نفوسنا، واقعا في سلوكنا، في حركتنا في الحياة؟ هو اليقين, يقين في النفس يتحكم في كل مشاعرها, في كل حركاتها, في كل مواقفها.

أنت هنا تحتاج حاجة ماسة إلى الله, إلى أن تطلب منه هذا الجانب المهم من هدايته، أن يرسخ اليقين في نفسك. ((واجعل يقيني أفضل اليقين)) إذا لم يكن لديك يقين، فما أكثر ما تمر في حياتك بالأشياء التي تجعلك ترتاب، تجعلك تشك، تشك في نفسك، تشك في أعلام الهدى الذين أنت تتمسك بهم, تشك حتى في ربك، هناك من المضلين من يستطيع أن يجعل الكثير يشكون حتى في الله.

أو لم تنتشر [الشيوعية] في بقعة كبيرة من الدنيا في أوساط البلدان الإسلامية؟ أو لم يكن هناك من يظهر من بينهم فيتحدى المسلمين، ويتحدى علماء المسلمين, يناظرهم، هناك فلاسفة برزوا من بينهم يستطيعون أن يصيغوا الشـُّبَه، وينمقوا بزخارف القول باطلهم الذي يؤدي إلى الإلحاد بالله سبحانه وتعالى فخدعوا شعوبا كثيرة.

إذا لم يكن لديك يقين فستسمع الكثير، الكثير مما يعمل على أن يملأ قلبك ارتيابا وشكًّا في طريقتك التي أنت عليها، في من يقودك، في من يهديك، حتى في الدين الذي أنت عليه, حتى في الإله الذي أنت تعبده.

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}(فصلت: من الآية30) {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا}(الحجرات: من الآية15) وصل إيمانهم إلى درجة لا يمكن أن يتعرض للارتياب، لا يمكن أن يؤثر فيه من يعمل على أن يخلق في القلوب الارتياب. {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} ماذا يعني هذا؟ يقين.. تحول إيمانهم إلى يقين راسخ في نفوسهم، وعي كامل ترسخ بشكل يقين في أعماق نفوسهم فلم يتعرضوا للارتياب لا من خلال شكوكهم هم ووساوس الشيطان لهم، ولا من خلال الآخرين من يعملون على محاربة هذا الدين, ومحاربة من يؤمن به، ويتحرك في سبيله.

ثم يقول (عليه السلام): ((وانته بنيتي إلى أحسن النيات)) النية نفسها مهمة جداً, هي قصدك وأنت تتحرك في مختلف ميادين العبادة لله سبحانه وتعالى, توجهك، هي النية التي تجعل لعملك قيمة أو تجعله لا قيمة له حتى وإن سقطت ضحية في الميدان، وليست تلك النية التي تجعل كل قطرة من دمك تتحول إلى مسك يوم تبعث بين يدي الله, إذا لم تكن نيتك هي النية التي تجعل روحك تعيش في عالم آخر حيا فستكون أعمالك كلها لا قيمة لها، بذلك كله لا قيمة له، تضحياتك كلها لا قيمة لها.

ولأهمية النية تتكرر في القرآن الكريم – وهو يأمر عباده في مختلف مجالات ميادين العبادة – أن عليهم أن يتوجهوا بعبادتهم إليه {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}(البينة: من الآية5) {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}(الكهف: من الآية110) وعن الجهاد يقول دائما فيه: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أليس كذلك؟.هل تفهموا هذه؟

تتكرر هذه, يقول لك: يجب أن يكون توجهك وتكون نيتك وقصدك وأنت تتحرك في ميادين العمل في سبيل الله، ميادين أعمال الجهاد أن يكون ذلك كله في سبيل الله، من أجل الله من أجل نصر دينه، من أجل إعلاء كلمته. لا أريد من هذا أن يقدر لي عملي, ولا أريد من هذا أن يشكرني على ما عملت, ولا أريد من هذا أن يعلم ماذا صنعت ولا أريد من هذا أن يعلم أثر ما قدمت، أريد ممن يعلم الغيب والشهادة هو وحده أن يكتب لي أجر ما عملت، وأن يتقبل مني ما عملت وبدون منّة عليه.. سأقول له: هذا هو أقل قليل يمكنني أن أعمله، هذا هو ما يمكنني أن أعمله وهو قليل يا إلهي في جانبك, هو قليل في جانبك، هو قليل في جانب ما يجب علي لك.

فما أكثر ما تكررت كلمة: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أو تأتي أحيانا بأبلغ منها {فِي اللَّهِ} {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}(الحج: من الآية78) {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت:69).

ثم أنت حتى تتمكن أن تقطع على نفسك أن لا تلتفت إلى غير الله، وأنت تنطلق في الأعمال العبادية بمختلف أنواعها قارن بين الله وبين الآخرين الذين تحاول أن يلتفتوا إليك ليقدروا عملك، أو يشكروا جهدك، أو يثنوا عليك ما قيمة ثنائهم عليك؟. ما قيمة تقديرهم لعملك؟. ماذا يمكن أن يصنعوا لك بجانب ما يمكن أن يصنعه الله لك؟. قارن بين الله وبين الآخرين، ستجد أنه ليس هناك أحد بمستوى أن تشركه في ذرة من عملك، في مستوى أن ترجو منه أقل قليل، قد يكون في مقابل أن تفقد الكثير، الكثير من ربك.