الله تعالى يتدخل في بناء النفوس، هذه القضية أساسية بالنسبة للمؤمنين، يرفع معنويات الناس، يشد قلوبهم، يربط على قلوبهم، ينير أفكارهم
يوميات من هدي القرآن الكريم
الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي.
الدرس الخامس والعشرون من دروس رمضان.
الإسلام يتسع للجميع، يتسع للجميع فعلاً، حتى في مجال العمل له، مجال العمل لإعلاء كلمة الله يتسع للجميع؛ لأنه عمل واسع جداً، ويتسع لكل الفئات، إنما من يكون قائماً على موضوع إقامة دين، يجب أن يكون فاهماً بالشكل الذي يستطيع أن يعطي الآخرين، يبين لهم بأن هذا الدين هو رحمة من الله، ونعمة، يتسع للكل، أنت قد تكون من طبقة مستضعفة معينة، قد لا تكون فعلاً إلى درجة أنك تنزل الميدان تقاتل، لكن باستطاعتك تقدم خدمات كثيرة في سبيل الله، أليست هذه القضية واضحة؟ والأقوياء باستطاعتهم أن يواجهوا، عمل واسع جداً، يتسع للأبطال، ويتسع للأقوياء، ويتسع للذين هم أخف منهم، والذين من بعدهم، وللكل، وهذا من النعمة على الناس، ومن مظاهر تكريم الله للإنسان؛
الله يتدخل في بناء النفوس، هذه القضية أساسية، يرفع معنويات الناس، يشد قلوبهم، يربط على قلوبهم، ينير أفكارهم فيصبح الذين كانوا يرون أنفسهم أغبياء في الأخير يصلون إلى أن قد عندهم قدرة، عندهم قدرة في إدراك الأشياء، في فهم الأشياء، في تحليل الأشياء، رؤية الأشياء، وهكذا.
معجزة للإسلام نجاح رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، تعتبر معجزة في حد ذاتها، لاحظ عندما تتأمل القرآن كم فيه من أعداء يتحدث عنهم، أعداء صناديد، وأعداء مكارين، وأعداء متآمرين، من مشركين، من كل الفئات مشركين، ويهود، ونصارى، ومنافقين، ومع هذا اجتاز الكل، ألم يكتسح الكل؟ وصدَّر ما كان يعمل هؤلاء؛ ليبين لك بأنه هكذا الدين يعلو فعلاً، يعلو إذا هناك من يتحرك على أساسه، ألم يصدر في القرآن ماذا كان يقول الآخرون، أصحاب الدعايات، والمتآمرين، كلها صدرها هنا؛ لترى بأنه فعلاً معجزة أنه خرج من بين هؤلاء، واكتسحها، وهمش كل هذه الفئات اليهود، والنصارى، والمشركين، والمنافقين، {وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ}
بإمكان أي إنسان ينفع الإسلام، وكلما تطورت قدراته سينفع أكثر، كلما ارتفعت معنوياته سينفع أكثر، وهكذا،
{وَأَنْذِرْ بِهِ} (الأنعام51) بهذا القرآن {وَأَنْذِرْ بِهِ} لاحظوا كيف حركة الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) كلها حول القرآن {وَأَنْذِرْ بِهِ}، {وَذَكِرْ بِهِ}، {يَهْدِي بِهِ} (المائدة من الآية16) وهكذا. {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}
{وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} (الأنعام53) الله هو الذي يعلم، إن الله يعلم بالشاكرين المستجيبين، لا يبحث عن كبار الشخصيات، وكبار التجار من أول يوم؛ ولهذا يخاطب المؤمنين جميعاً، هو لا يقول يا أيها الرئيس، يا أيها الوزراء، هل هو يخاطب بالشكل هذا؟ يا أيها القادة والضباط؟ يخاطب المؤمنين جميعاً، وهو أعلم بالشاكرين.
فتنة للطرفين {فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا}، هذه واحدة بالنسبة للمستكبرين، أصحاب النفوس المتكبرة، وفتنة للناس أنفسهم الذين يرون أنفسهم أنهم من عامة الناس، من المواطنين ـ الذين يسمونهم ـ من [الرعويين، رعوي] على تعبير أهل صنعاء، أنهم هم يجب أن يكونوا واثقين بالله، ويعرفوا بأنهم معتزون بعزة الله؛ لأنهم ليسوا بحاجة إلى أولئك إذا لم يرضوا أن يستجيبوا، لسنا بحاجة إليهم.
إذا خسر الإنسان مرحلة السبق، فلا تتعوض؛ لأن السبق هو مرتبط بمرحلة وقتية من الزمن، وقتية، أنت لا تستطيع أن تعيد عجلة التاريخ؛ ولهذا قال {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} (الحديد من الآية10)، قبل فتح مكة، {أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}، لكن لو تعمل ما تعمل لا تستطيع أن تعمل تلك النقلة، تلك مرحلة مرت. وهنا يؤكد في تربيته للناس على أن يكونوا سباقين ومسارعين، ثم يذكر فضيلة السابقين، {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}
لاحظ كيف الرعاية الإلهية بالنسبة لهؤلاء المستضعفين الذين يحتقرهم الآخرون، يذكر الباري بأنهم محط عناية ورعاية إلهية، {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (الأنعام54)، أليس هذا رفعاً لمعنوياتهم، التفاتة إلهية مباشرة إليهم مقابل إعراض الآخرين، وكبريائهم، والذين ينظرون إليهم بأنهم لا يمثلون شيئاً {أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} ألم يأت بالتفاتة مباشرة إليهم؟ ويأمر رسوله هكذا أن يقول {سَلامٌ عَلَيْكُمْ}، إذا أنتم ترون الآخرين يحتقرونكم لا تظنوا أنه ربما فعلاً نحن في واقعنا محط احتقار حتى عند الله، لا، لاحظ هذا مما يدل على أنكم محط تكريم ورعاية إلهية.