القرآن الكريم

منتهى الكمال البشري {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}

رسالات الله تحرر الإنسان من العبودية لغير الله وتسمو به وترتقي به، لتزكية نفسه، وتحليه بمكارم الأخلاق، وتحقق للبشرية العدل والكرامة، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ}(النحل:36) وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}(الحديد:25).

فمنذ أن خلق الله الإنسان ومنذ بداية مشواره في الحياة منذ آدم أبو البشر وهدى الله ووحيه ونوره يواكب مسيرة الحياة البشرية، ينير لها الطريق، ويرشدها إلى الخير، ويبقيها على ارتباط في شؤون حياتها مع الله الخالق الملك، وحجة لله على عباده، {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}(النساء:165)؛ لأن الإنسان في حياته هذه مسؤول عن أعماله وعن أقواله وعن مواقفه وعن قراراته، ومسؤوليته عظيمة وجسيمة، وعظم الجزاء يدل على عظم المسؤولية، {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}(الزلزلة:7-8).

وعلى مدى تاريخ البشرية في أممها الغابرة أرسل الله رسله لهداية البشر وتزكيتهم ورسم طريق الحق والخير وإقامة العدل، وإزالة الظلم والمنكر ودفع الفساد وقيادة البشرية إلى سعادتها في الدنيا والآخرة، وقد كانت تجربة كثير من الأمم تجربة فاشلة، أودت بها إلى الهلاك والخسارة الرهيبة، وكان من أهم الأسباب ارتباط تلك الأمم بطواغيتها ومجرميها، وإعراضها عن الأنبياء وعن رسالة الله جل وعلا، مثل قوم نوح، ومثل عاد، ومثل ثمود، والفراعنة، وغيرهم من الأمم.

وقد ختم الله رسالته بعد سلسلة طويلة من الرسل، عشرات الآلاف من الأنبياء والرسل برسوله الخاتم، محمد صلى الله عليه وعلى آله، رسولاً ونبياً إلى العالمين، في المرحلة الأخيرة والحقبة المتبقية لحياة البشرية، واقتراب الساعة، وقد اصطفاه الله ومنحه المؤهلات العظيمة ليكون بمستوى مسؤوليته العالمية زكاءً عظيماً، وخلقاً عالياً، فكان أعظم وأنجح قائد عرفه التاريخ، رسولاً حكيماً بما منحه الله من الحكمة، ورحيماً وحريصاً على هداية الناس وسعادتهم، قال الله تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}(التوبة:128).

وبتلك المؤهلات التي أوصلته إلى منتهى الكمال البشري {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(القلم:4) نهض قائماً بمسؤوليته العالمية التي يترتب عليها سعادة البشرية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(الأنبياء:107) وبالحق {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً}(البقرة:119) يهدي إلى الصراط المستقيم {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(الشورى:52).

وقد عظمت منة الله به على العرب قبل غيرهم من الأمم قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ}(الجمعة:2-3) يعني الأجيال اللاحقة التي لم تكن قد وجدت، ومنها جيلنا وعصرنا، {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(الجمعة:3-4).

وقد بذل صلى الله عليه وآله كل جهده في تغيير الواقع السيئ الذي كان يعيشه العرب الأميون والعالم آنذاك، وهو واقع طغى عليه الجهل والخرافة والشرك والكفر والفساد والرذيلة والنهب والسرقة والتفرق، يعبدون الأصنام ويأكلون الميتة ويشربون الخمر، ويإِدون البنات، ويمتهنون النساء، ويرتكبون الفواحش، ويأكل القوي منهم الضعيف في جاهلية جهلاء وضلال مبين وضياع للحياة، لا هدف ولا مبادئ، على شفا حفرة من النار.