القرآن الكريم

تنزيه الله وتقديسه في كل الأحوال والظروف.

برنامج رجال الله اليومي

السيد حسين بدر الدين الحوثي

معرفة الله عظمة الله الدرس الثامن صـ5ـ6.

نبي الله إبراهيم عندما حطم تلك الأصنام؛ ليثير في نفوس قومه أن هذه الأصنام التي تعبدونها ناقصة قاصرة، لا تستطيع أن تنفع ولا تضر، لا تستطيع أن تدفع عن نفسها فكيف يمكن أن تدفع عنكم, فلماذا تعبدونها؟! إن من يجب أن تعبدوه هو الله سبحانه وتعالى الكامل, ذي الكمال المطلق، الذي لا أحد يستطيع أن يقهره، الذي إذا التجأت إليه نفعك، إذا خرجت عن نهجه وتجبرت عليه ضربك، ويستطيع أن يضربك، ويقول لك: بأن كل من في السموات والأرض جنود لـه: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}(الفتح: من الآية4) {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} (الأنبياء:64) عرفوا أنه فعلاً أصنام تتحطم هي ناقصة، فكيف نعبدها، ماذا يمكن أن تعمل هذه الأصنام؟ من أي وجه تستحق العبادة؟ أيّ كمال لها تستحق به أن نعبدها، ونُخْضِع أنفسنا لها، ونثنيَ عليها.

وهكذا استطاع القرآن الكريم أن ينسف الشرك من نفوس العرب إلى الآن. هل هناك صنم في البلاد العربية ركزوه من جديد ليعبدوه؟ انتهى الموضوع؛ لأن كل واحد يتساءل لماذا أنصب صخرة, أو خشبة, أو تمثالاً فأعبده وأؤلهه, ماذا يمكن أن يعمل؟ لماذا أعبده؟ بأي وجه يستحق العبادة؟ أي كمال فيه يستحق أن أعبده، واثني عليه، وأمجده، وأعظمه وأقدسه؟ إنتهت.

فعندما نسمع أن من عقائدنا: أن الله سبحانه وتعالى لا يشبه شيئاً, ولا يجوز أن يشبه شيئاً؛ لأن كل الأشياء غيره سبحانه وتعالى فيها دلائل الحدوث، فلو كان مشبهاً لأي شيء من مخلوقاته لكان قد أصبح ناقصاً محتاجاً كمثلها، ولكان هو في نفسه دليلاً على أن هناك طرفاً آخر هو أكمل منه، وهذا نسف للألوهية من أساسها، نسف لاستحقاقه الألوهية والربوبية من أساسها؛ لأننا سنقول فيما بعد: إذاً ذلك الذي منحك هذا الذي أنت عليه هو أجدر بالعبادة, هو أكمل منك. وتلاحظون أن مبدأ الكمال – أيضاً – هو مما رسخه الله سبحانه وتعالى في نفوسنا، فطرة فطر الناس عليها.

أنت في كل أعمالك تبحث عن الأكمل. أليس كذلك؟ أنت تريد أن تبني فيقال لك: فلان وفلان، وفلان, وفلان, فلان هو تعلم عند فلان. ستقول والله سأشوف فلان الذي علمه هو أبصر منه.. أليس كذلك. حتى وأنت تبحث عن زوجة تريد أن تبحث عن الزوجة الأكمل، عندما نقول نحن: أريد أن تكون طبيعتها جيدة, شكلها مقبول, ومن أسرة جيِّدة.. ألست هنا تبحث عن كمال؟. هكذا وأنت تريد أن تغرس شجرة قات ألست ستبحث عن الشجرة الجيدة؟ تقول ما نشتي نغرس حمار أو سواد نشتي نغرس قات زراق هو أحسن, وبيتحمل قطف, هو كذا, وكذا.. وأنت تريد أن تشتري ثور, أنت تبحث في السوق تبحث عن الثور الذي تجد فيه مميزات كمال بالنسبة له، وأنت تريد أن تبحث عن خياط كذلك تريد تبحث عن خياط يجيد الخياطة أي فيه صفات كمال أكمل من الآخر… دكاكين الخياطة واحد اثنين ثلاثة أربعة أنت تبحث عن من؟ عن خياط جيّد وهكذا. مبدأ الكمال, والبحث عن الأكمل هو من الفطر التي فطر الله الناس عليها، وهو ُسلَّم ينتهي بالله سبحانه وتعالى الكامل الكمال المطلق.

حتى عندما نصف شخصاً نقول: عالم كريم فاضل.. ما أنت تصفه بنوع من هذه الصفات التي تسمع الله سبحانه وتعالى يصف نفسه بها؟ لكن وفوق كل ذي علم عليم, إلى أن تنتهي إلى عند العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، عند من قال عن نفسه بأنه لا تسقط ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا يعلمه، وهو في كتاب مبين، في علمه الذي لا يعزب عنه شيء.

والكمال المطلق لا يمكن أن يكون إلا لواحد، لا يمكن أن تفترض أن هناك اثنين كاملين, كل واحد منهما سيظهر ناقصاً بالنسبة للآخر، الكمال المطلق لا يمكن أن يكون إلا لواحد، وهو الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا كل ما يستلزم منه أن يكون الله مشابهاً لخلقه بما يعني هذا: أنه أصبح فيه دلائل أنه محدث ومحتاج إلى طرف آخر فهو من أكبر الكبائر عندما تعتقده بالنسبة لله سبحانه وتعالى؛ لأنه ماذا يعني؟ بأنك حكمت بنسف استحقاقه للألوهية من أساسها؛ ولهذا نحن نقول في عقائدنا: لا يجوز أن نقول: أن لله وجهاً, كما يقول الآخرون، وليس له يد, ليس له أعين كما يقول الآخرون، هذه آليات عملها لنا نحن الناقصين، نحن القاصرين، نحن المحتاجين.

لو قلنا بأن له وجهاً, وله يداً, وله رِجلاً حتى ولو قلنا كما يقولون: يليق به, وجه يليق به، يد تليق به، رِجْل تليق به.. هكذا يقولون. إسألهم: هل وجهه غير يده، ويده غير رجله؟ أم أن وجهه يده، ويده رجله, ورجله وجهه؟. سيقول لك: لا, هي بالطبع وجهه غير يده، ويده غير رجله؟ إذاً مَن الذي منحه وجهاً هو مغاير ليده، ويداً مغايرة لرجله، إذاً أثبتم له أعضاء, وإن كنتم تقولون بأننا لا نعرف كيفيتها، فالتن‍زيه لا يعني فقط بأنك تقول بأنك لا تعرف الكيفية التي عليها هذا الوجه الذي أثبتّه لله، أن تنفي عنه من الأساس أن يكون له عضو، أو يكون مركباً من أجزاء، أن يكون مؤلفاً، لا يصح؛ لماذا؟. لأن التركيب علامة من علامات الحدوث.

ماذا يعني الحدوث؟. أي أن هناك مَن منحه وجهه كما منحك وجهك، ومن منحه يده وجعلها في موضع في غير موضع وجهه, ولها أعمال غير أعمال وجهه، وله رِجْل لها أعمال غير أعمال يده، وموضعها غير موضع يده، كما هو الحال بالنسبة لنا أليس كذلك.

إذاً فهذه علامات الحدوث, إذاً هناك من منحه هذه الأشياء, إذاً فهو ناقص, ومن منحه هذه الأشياء هو أكمل منه، إذاً فليس رباً ولا إلهاً، أليست المسألة تنتهي إلى هذه؟ المسألة تنتهي في الأخير إلى كفر بالله؛ ولهذا أذكر أن أحد أعمامي (رحمة الله عليه) وهو السيد العلامة [حسين بن حسن الحوثي] وزع قبل سنوات فتوى يحكم فيها بكفر من يعتقد: أن الله يُرى, ويقول: أن الله يرى؛ لأنه هكذا تنتهي المسألة إلى هذا الحد؛ ولهذا نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عن أن يكون له مشابه، وهنا نزه نفسه عن أن يكون له ولد, ألم ينزه نفسه هنا؟.

تأتي هذه الآيات تتحدث عن تنزيه لذاته سبحانه وتعالى لأنه هو {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}(الأنعام: من الآية101)  هو من لا يحتاج – وهو يخلق ما يخلق ويفطر ما يفطر – إلى أن يعتمد على طرف آخر يسلمه مخططاً ليرسم عليه، أو يسْتَقْدِمَ نموذجاً فيصنِّع كمثله، هو مَن لا يحتاج إلى هذا، هو من ليس هناك غيره يمكن أن يعمل هذا؛ لأن كل ما سواه مخلوق، كل ما سواه محدث، هو الذي خلقه, هو الذي أحدثه, فهو مَن ابتدع السماوات والأرض، هو من لا يمكن أن يكون له ولد.

هل فهمنا الآن بأنها صفة نقص لو حكمنا بأن له ولداً؟ صفة نقص فيه نثبتها.. ما هي صفة النقص هذه؟ أي سنثبت بأنه ناقص. ما هو النقص؟ أننا أثبتنا أنه محتاج لطرف آخر، وأن الطرف الآخر هو أكمل منه، إذاً ونحن مفطورون على إعطاء الحق للأولي أليس كذلك؟ والتسليم للأكمل، سنقول: إن ذلك الذي هو من صنع الله على هذا النحو، أو منحه هذا الشيء هو الأكمل، إذاً فهو الأولى. فهذه تنسف التوحيد من أساسه، كفر, كفر شديد.

{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}(الأنعام: من الآية101) هو من خلق كل شيء, كل شيء من هذه الأشياء التي نراها أمامنا, خلقنا نحن, وخلق كل هذه الموجودات التي أمامنا. كلمة: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} أتت في سياق الثناء على الله, والتمجيد لله, والتقديس لله, والحديث عن كماله سبحانه وتعالى، كماله الذي يستحق الثناء من عباده، بل هو من أثنى على نفسه قبل أن يثني عليه عباده.

فعندما يأتي الآخرون فيقولون: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} يعني: هو أيضاً أفعالنا هذه, المعاصي هو الذي خلقها؛ لأنها أشياء فهو إذاً الذي خلقها. لا يفهمون الحديث هو عن ماذا هنا، أنه يتحدث عن كماله، عن تن‍زيهه، عن تن‍زيه ذاته، عن تمجيده، عن تقديسه، عن الثناء عليه، عن كماله سبحانه وتعالى.. فهل هو من يتمدح يَتَمَدّح بأنه الذي خلق المعاصي وخلق الظلم وخلق الفساد وخلق الكفر وخلق النفاق؟! هل هذا تمدُّح؟!. لو كان هو من خلق الضلال والكفر والفساد والنفاق والمعاصي والباطل لما استحق أن نثني عليه. نثني عليه مقابل ماذا؟ إذا كنا نقول: بأنه مصدر كل قبيح ومصدر الفواحش، ومصدر الشرور, فلماذا نثني عليه؟. هل يستحق الثناء عليه فيما إذا وصفناه بأنه مصدر القبائح والفواحش؟ هل من هو مصدر القبائح والفواحش يستحق أن يُثْنَى عليه؟ هل الله سبحانه وتعالى ممكن أن يثني على نفسه, ويتحدث في مقام الثناء على ذاته بأنه من خلق الظلم والفواحش والفساد؟! هذا ليس مما يمكن أن يقوله من في قلبه مثقال ذرة من معرفة بالله صادقة, وشعور بعظمة الله سبحانه وتعالى.

هو من نزه نفسه في آيات أخرى عن الفساد والظلم، أنه لا يريد أن يظلم العباد: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}(فصلت: من الآية46) وهو من قال: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ}(آل عمران: من الآية108) , وكلمة ظلم تشمل – تقريباً – كل أنواع الفساد {إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}(لأعراف: من الآية28) {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} (النحل:90).