القرآن الكريم

ضرورة تأهيل الناس لأنفسهم ليكونوا بمستوى المواجهة.

برنامج رجال الله اليومي.

السيد حسين بدر الدين الحوثي.

سورة ال عمران الدرس الرابع صـ 1ـ2.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين.

يقول الله سبحانه وتعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} (آل عمران:110-112). صدق الله العظيم

من قول الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}(آل عمران: من الآية110) نفهم من هذا ما هو أسلوب القرآن الكريم في جلب كل ما يمكن أن يكون مساعداً للناس أن ينطلقوا، وفي القيام بما يريد الله سبحانه وتعالى أن يقوموا به، كما يذكِّر باستشعار المسؤولية الكبيرة على المسلمين، بدءاً من أولئك المسلمين الذين كانوا في أيام الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله)، يذكِّرنا كما ذكرهم سابقاً بتلك المسؤولية الكبيرة، بأن عليهم مسؤولية كبيرة هي: أنهم أخرجوا للناس، أخرجت للناس، أي: أظهرت لإصلاح الناس، لرد الناس إلى دين الله، لرفع الظلم عن الناس، لتعميم هذه الرسالة العظيمة في أوساط البشرية جميعاً.

مسؤولية كبيرة جداً، وهي في نفس الوقت تذكير بنعمة عظيمة هي: أنهم اختيروا، اختيروا أن تناط بهم هذه المسؤولية الكبيرة، فمن يعرفون قيمة الوسام الذي قلدهم الله سبحانه وتعالى به، وسام شرف عظيم، أن يكونوا هم المؤهلين لأن يحملوا هذه الرسالة؛ ليلتفوا حول راية هذه الرسالة، فيتحركون في أوساط الأمة، لإصلاح العباد، وتطهير الأرض من الفساد، ليحوزوا شرف السبق، شرف أن تصلح الأمة على أيديهم، وأن تُطَّهر من فساد المضلين على أيديهم.

أليس هذا شرف عظيم، ونعمة كبرى؟ مسؤولية كبرى، ونعمة كبرى، وشرف عظيم، يدفع، يدفع من يرى لهذا قيمته الكبيرة، يدفعه إلى أن ينطلق فعلاً، يدفع هذه الأمة إلى أن تنطلق فعلاً في ميدان العمل، وفق ما هداها الله سبحانه وتعالى إليه، في مجاهدة أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، من يشكلون أعظم خطر على البشرية؛ لأنهم كما قال الله عنهم: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً}(المائدة: من الآية64).

فنرى كيف اجتمعت عملية الدفع بالناس، الدفع بالمسلمين، بالعرب، بأهل البيت، وتجد المسؤولية أيضاً على درجات الأولوية داخل هذه الأمة، العرب يتحملون مسؤولية كبيرة أعظم من غيرهم، أهل البيت وشيعتهم يتحملون مسؤولية كبيرة أعظم من غيرهم، أهل البيت بالذات يتحملون مسؤولية كبيرة أعظم من غيرهم.

حينما نتأمل نجد من خلال هذه الآيات ثلاثة عوامل مهمة للدفع بالناس إلى أن ينطلقوا، إلى أن يهتموا بالقضية، في البداية: ذكَّر بخطورة القضية، الخطورة البالغة، التي تصل بالناس إلى درجة أن يكفروا، أن يكفروا بالله وبرسوله من حيث لا يشعرون.

الشيء الثاني: خطورة إذا لم يعملوا على تأهيل أنفسهم؛ ليكونوا بمستوى المواجهة، الخطورة البالغة، بالعذاب العظيم، عندما قال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:105).

الدافع الثالث: تذكير الله لنا بأنه هو سيهيئ الأجواء التي يمكن أن تفتح انفراجات كبيرة أمام العاملين في سبيله، في هذا الميدان، كما يقول: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} (آل عمران:108- 109).

العامل الرابع: التذكير بالنعمة والمسؤولية الكبرى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}(آل عمران: من الآية110) أليس هذا وسام شرف عظيم جداً؟ أنتم من أنيط بكم حمل هذه الرسالة، إن تتحركوا فعلى أيديكم تطهر الأرض من فساد من يسعون في الأرض فساداً، وعلى أيديكم يتم إعلاء كلمة الله، على أيديكم يكون إصلاح عباد الله. فضيلة السبق فضيلة عظيمة.

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} مقارنة بالأمم الأخرى، في ذلك العصر، وفي هذا العصر، مسؤوليتكم تتمثل في هذا، الاصطفاء لا يأتي لمجرد الاصطفاء إنما يناط به مسؤولية كبرى، الاختيار لا يكون لمجرد الاختيار، إنما يناط به مسؤولية كبرى، مسؤوليتكم هي: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}(آل عمران: من الآية110) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إطار واسع، يشمل العمل في كل مجالات الحياة، في سبيل إعلاء كلمة الله، وتطهير الأرض من الفساد والمفسدين.

{وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} فحينما فرط أهل الكتاب أنفسهم، حينما لم يعودوا بمستوى المسؤولية التي أنيطت بهم، على طول التاريخ، عندما جاء رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، وهم من كانوا ينتظرون أن يجاهدوا بين يديه، وكانوا من قبل يذكِّرون الكافرين، ويستفتحون به على الكافرين، أنه سيأتي نبي يبعث، وسنقاتلكم تحت رايته.

يذكِّر كيف يجب أن يكون من تناط به المسؤولية، كيف يجب أن يكون من تناط به المسؤولية. عندما تخلى أهل الكتاب، عندما أصبحوا غير جديرين بتحمل المسؤولية، عندما أصبح أكثرهم فاسقين، وكان المؤمنون فيهم قليل، أختار الله سبحانه وتعالى هؤلاء، اختار العرب أن يكونوا هم من يقومون بحمل الرسالة تحت راية رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}.

ويذكِّر بأن حمل الرسالة هو شرف عظيم، أن أولئك الذين لم يكونوا بمستوى الأمانة التي قُلِدوها في آخر أيامهم، وهم أهل الكتاب {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ} أنتم اخترتم تقومون بالمهمة تحت راية محمد (صلوات الله عليه وعلى آله)، أهل الكتاب أنفسهم لو استشعروا عظم المسؤولية لعرفوا أن المسألة هي على هذا النحو: أنه متى اختار الله نبياً من أنبيائه، فليكن من هنا، أو من هنا، فالأمر إليه، ولهم الشرف العظيم بأن يقاتلوا تحت راية هذا النبي، حتى وإن لم يكن من بني إسرائيل؛ لأنهم غضبوا جداً عندما لم يأت النبي من بني إسرائيل، وقالوا: لماذا يأتي من بني إسماعيل؟! الله هو الذي يقول: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}(الأنعام: من الآية124).

والمجال لا يزال أيضاً أمامهم مفتوحاً {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ} خيراً لهم؛ لأنهم هم من يفترض فيهم أن يكونوا من أول من يؤمن بمحمد (صلوات الله عليه وعلى آله)، وهم كانوا من تجمع نحو المدينة؛ لما يعرفون من أنها ستكون مهاجر النبي الذي سيبعث في آخر الزمان، فتجمعوا تجمعات كبيرة حول المدينة المنورة وداخلها.

{وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}(البقرة: من الآية41) لا تكونوا أول كافر به، أنتم يا بني إسرائيل، لا يليق بكم أن تكونوا أنتم أول من يكفر بهذا الدين، وبمحمد، وبالقرآن، وأنتم من تعرفون الرسالات، وتعرفون الكتب السماوية، وتعرفون حاجة الأمم الماسة إلى الهداية من قبل الله، كما قال هنا، في مطلع هذه الآيات في أولها: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ}(آل عمران: من الآية99) وأنتم شهداء، وهو دوركم في الحياة: أنكم اخترتم، وفضلتم على العالمين؛ لتكونوا أنتم من تحملون لواء الرسالات، وأنتم من تكونون شهداء على الأمم، شهداء على الناس.

لكنهم لما تخلوا عن المسؤولية، لما لم يكونوا بمستوى المسؤولية في آخر أيامهم، وإن لم يكن المجموع، كما سيأتي الاستثناء فيما بعد، ولكن عندما يغلب، عندما يكون الغالب هم الفاسقون، عندما يقصِّر، ويفرط المؤمنون، فتبقى الغلبة للفاسقين، يصبح المجموع، من حيث المجموع غير جدير بتحمل المسؤولية، وبالتالي يكون معرضاً للاستبدال، بأن يستبدل به غيره.

هم فضلوا، ونعم كثيرة أعطاهم الله سبحانه وتعالى، وفضلهم بها على العالمين، ولكنهم عندما قصروا، عندما فرطوا، عندما توانوا، عندما أصبح الكثير منهم فاسقون، كما قال الله: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}(آل عمران: من الآية110) أصبحوا في وضعية تؤهل غيرهم أن يستبدلوا عنهم.

ومع ذلك ما يزال المجال أمامهم مفتوحاً، فلوا آمنوا لكان خيراً لهم، ولو آمنوا لكان خيراً لهم، ولكانوا على ما كانوا عليه من قبل، يسيرون تحت لواء محمد (صلوات الله عليه وعلى آله) كما ساروا تحت لواء موسى وعيسى وغيرهم من أنبياء الله، من بني إسرائيل.