القرآن الكريم

محاضرة السيد عبد الملك بدرالدين الحوثي بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية 1محرم 1440هـ

| محاضرات وخطابات السيد القائد | 1 محرم 1440هـ/ الثقافة القرانية:-

المحاضرة الأولى للسيد عبد الملك في ذكرى الهجرة النبوية

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله خاتم النبيين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وأرض اللهم برضاك عن أصحابه الأخيار المنتجبين، وعن سائر عبادك الصالحين.

أيها الإخوة والأخوات..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا ولكم في العام الهجري الجديد إنه سميع الدعاء وأن يوفقنا وإياكم لما يرضيه عنا.

ربط التاريخ الإسلامي بالهجرة النبوية لكل ما لذلك من دلالة مهمة على أهمية الهجرة كحدث تاريخي عظيم مثلت نقلة عظيمة ومهمة جدا نتج عنها تحول في الواقع العالمي وفي الواقع البشري وترتب عليها نتائج مهمة جدا، ونحن كأمة مسلمة وكشعب يمني مسلم عندما نعود إلى هذه المناسبات وإلى مثل هذه الذكرى العظيمة والمهمة من تاريخنا الإسلامي فنحن نعود إليها من واقع حاجتنا حاجتنا كشعب يمني مسلم وحاجتنا كأمة مسلمة بشكل عام من واقع ما نواجهه وما نعانيه من أخطار وتحديات ومشاكل وأزمات نعود إلى هذه المحطات التاريخية المشرقة والملهمة والمضيئة من تاريخنا لنستلهم منها الدروس ونستلهم منها العبر ونستفيد منها فيما نواجهه نحن نفتقر دائما فيما نواجهه من تحديات وأخطار ومشاكل نفتقر دائما ونحتاج بشكل ملح إلى الرؤية الصحيحة والسليمة والهادفة وإلى الطاقة المعنوية والروحية التي نكتسب منها العزم ونكتسب منها الصبر والتحمل للنهوض بالمسؤولية ولمواصلة السير في الدرب والطريق الصحيح، ونحتاج بين هذا وذاك إلى الاتصال والارتباط بما نكسب به رعاية الله ومعونة الله سبحانه وتعالى وألطافه وتدخله وتأييده وهدايته بما يصلنا بالله فيكون معنا، هذا كله لا يمكن أن نحصل عليه من هناك أو هناك لنتلفت إلى خارج ساحتنا الإسلامية وإلى خارج جذورنا الإسلامية وإلى خارج الاتجاه الأصيل لمسارنا الإسلامي ومنهجنا الإسلامي مهما تلفتنا إلى الشرق وإلى الغرب فلن نحصل على أي شيء مما يمثل حلا صحيحا وسليما ومما يعالج لنا ما نحن بحاجة إلى معالجته في واقعنا.

من الغريب في حالتنا كأمة مسلمة أن أعدائنا الذين يصنعون لنا المأساة في واقعنا بكله ويستثمرون في مشاكلنا ويستغلون واقعنا المتردي يحرصون هم أن يكونوا هم من نتجه إليهم لنستلهم منهم الحلول وليقدموا أنفسهم المخلصين والمنقذين وهم في واقع الأمر من يصنعون المآسي ومن يسعون بكل ما يستطيعون وبكل الوسائل إلى تحطيمنا كأمة تحطيمنا بشكل كامل.

الهجرة النبوية محطة تاريخية عظيمة ومهمة، وجديرة بأن ربط بها التاريخ الإسلامي لكل ما تحمله من دروس وعبر وما نتج عنها من متغيرات كبرى.

الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وسلم منذ أن ابتعثه الله بالرسالة فبلغ رسالات الله بدءً في مكة أم القرى لتكون هي محطته الأولى لبلاغ الرسالة الإلهية مجتمع مكة قبائل قريش ومن حولهم أتيحت لهم فرصة لا يساويها فرصة أبدا فرصة لنيل شرف عظيم لأن يكونوا هم من يكونوا في طليعة البشرية في حمل راية الإسلام في أن يستنيروا بنوره وأن يتخلصوا مما هم فيه من واقعٍ ظلاميٍ ومظلم ومليء بالظلم ومليء بالخرافات واقعٍ غارق تحت سيطرة الطاغوت أن يكونوا هم في طليعة البشرية يحملون راية الإسلام بعظمتها، الإسلام بما فيه من تحرر، الإسلام بما فيه من مبادئ عظيمة وأخلاق كريمة وتشريعات إلهية، الإسلام كدين نتصل من خلاله بالله سبحانه وتعالى في هدايته وفي رعايته وفي لطفه وفي رحمته ومجتمع مكة قبائل قريش ومن معهم في أكثريتهم كان موقفهم خاسرا وخاطئا وخائبا لقد تعاملوا تجاه هذه الرسالة وتجاه خاتم الأنبياء وسيد المرسلين بكل كفر وجحود وتنكر مع وضوح مصداقية وعظمة ونقاء هذه الرسالة كما يقدمها الرسول صلوات الله عليه وعلى آله، ومع ما يعرفونه عن رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله ما يعرفونه عنه من كمال ومن مكارم الأخلاق وفيما عرفوه به من مصداقية لا نظير لها ومن أمانة لا مثيل لها في واقع البشرية جمعاء، وفيما عرفوه عنه من اتزانٍ ورشدٍ وذكاءٍ وصلاح واستقامة وسداد يتميز به عن كل الناس، مع هذا وذاك اتجهوا حتى بعد الآيات المعجزات والدلائل الواضحات والبراهين النيرات التي تثبت صدقه في نبوته صلوات الله عليه وعلى آله في أنه نبي من الله في أنه رسول من الله في أنه يبلغ عن الله في أن الله ابتعثه هاديا ورسولا ونبيا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا إلى آخر ذلك، مع كل ذلك وقفوا موقفا يتسم بالعناد والنكران لهذه الرسالة والتصدي لها.

ما هو الذي يؤثر على مجتمع من المجتمعات البشرية مجتمع يغرق في المفاهيم الظلامية يعاني في واقع حياته من الضياع بكل ما تعنيه الكلمة ما يعبر عنه القرآن الكريم بالضلال المبين ضياع في كل شيء حالة من التيه حالة من ضياع الحياة، الحياة بدون هدف الحياة التي يغلب عليها الواقع العبثي ويسيطر عليها الطاغوت بظلمه وظلامه ثم يأتيه النور البين الواضح ويأتيه الرشد تأتيه دعوة الخير دعوة الحق يأتيه الهدى بما فيه من تعليمات وإرشادات وتوجيهات وأوامر ونواهي وبصائر بكل ما ينسجم مع فطرته من جانب ومع سنن الله في واقع الكون والحياة من جانب آخر وفي كل ذلك خيره نفعه خلاصه فلاحه فوزه ودعوة حق بينة واضحة لا لبس فيها ثم يتنكر ويجحد ويعاند ويرفض ولا يكتفي بذلك بل يتجه بكل ما يستطيع وبكل ما بيده من إمكانات لمحاربة هذه الدعوة التي فيها خلاصه فيها فلاحه فيها نجاحه فيها فوزه فيها سعادته يتجه لمحاربتها بكل الأساليب وبكل الوسائل وبكل الإمكانات.

الحالة هذه تحصل لأسباب متعددة في كل مجتمع هناك فئة متحكمة مستغلة مستأثرة تتحرك في التأثير على المجتمع من حولها والتحكم به حتى في صياغة المفاهيم وحتى في مسار الحياة فتطبع حياة الناس بطابع يلائمها يعزز نفوذها يحكم سيطرتها يساعدها على الاستغلال والتحكم لا يشكل نقيضا لهذا كله سواءً نقيضا لاستغلالها أو نقيضا لسيطرتها ثم تعمل على استغلال ذلك في امتهان واستعباد المجتمع فإذا أتى هدى الله الذي يحرر الناس من العبودية لغير الله والذي يبني واقع حياتهم على أساس من المبادئ والقيم والأخلاق والتشريعات والتوجيهات الإلهية يرون في ذلك كله نزعا لسيطرتهم وقضاءً على هيمنتهم ومنعا لاستغلالهم وحيلولة بينهم وبين الاستعباد للناس فيتجهون هم مستغلين سابقا نفوذ وتقادم التأثير واستغلال السيطرة المستحكمة المؤثرة حتى في النفوس ثم يعملون إلى دفع الجميع بالتنكر لذلك الحق والعمل على استهداف كل من يخرج عن نطاق تلك السيطرة وذلك الاستغلال وتلك الهيمنة تمثل هذه المشكلة الرئيسية عبر التاريخ بكله في كل عصور الأنبياء المتقدمين إلى خاتم الأنبياء وسيد المرسلين سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله تبرز هذه الفئة، هذه الفئة سماها القرآن الكريم باسمها المستكبرون والطاغوت المستكبرون وهم أيضا الطاغوت بطغيانهم يسعون إلى استعباد الناس والتحكم بهم والسيطرة عليهم السيطرة المطلقة عليهم هذا هو ما حدث في مكة بعد أن بعث الله رسوله محمد صلوات الله عليه وعلى آله تحرك الملأ في مكة [وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ] تحركوا ولهم من خلال فترات طويلة ترسيخ في واقع المجتمع وترسيخ لكل المفاهيم الظلامية التي تساعدهم على التحكم بالمجتمع والسيطرة التامة عليه تحركوا بشكل كبير وطبعا الطاغوت في مفاهيمه الظلامية يربي المجتمع تربية سلبية تترك أثرها السيئ حتى في نفوس الناس حتى في وجدانهم حتى في مشاعرهم فتصنع حائلا نفسيا حتى نفسيا وليس فقط فكريا وذهنيا بل حتى نفسيا النفوس المدنسة النفوس المنحطة النفوس النفوس التي ألفت الباطل وألفت الفساد وانسجمت مع المنكر لكثرة ما رُبيت على ذلك وما دفعت إلى ذلك وما حشرت في ذلك تصبح على نحو من النفور والتوحش في اتجاه جانب الحق في اتجاه مكارم الأخلاق وتصبح متجهة حتى بالانسجام إلى الطواغيت إلى أرباب الفساد إلى قادة الشر إلى من يمثلون هم رموز الجريمة والرذيلة والمنكر والفحشاء والبغي والفساد والطاغوت ينشدون إليهم تلقائيا يرتبطون بهم ويتأثرون بهم الكلام عن هذه النقطة يطول ويطول ويطول وهي المشكلة الرئيسية في الواقع البشري التي تكون أول عقبة تواجه الناس للحيلولة بينهم وبين الهداية والحيلولة بينهم وبين الأنبياء والهدى الذي أتى به الأنبياء ثم ما بعد فترة الأنبياء كذلك ما بين ورثة الأنبياء الحقيقيين الصادقين وهدى الله الذين يكونون هم مهتدون به متمسكون به ويدعون إليه فتحول تلك العقبة بين الكثير من الناس وبينهم وما لديهم من الهدى وماهم عليه من الحق، مجتمع مكة الذي بلغ في عناده والذي بلغ في جحوده في أكثريته إلى درجة أن البعض منهم توجهوا إلى الدعاء إلى الله قائلين كما حكى القرآن الكريم عنهم [وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] قالوا خلاص نحن لا نريد هذا الحق أبدا وإذا كان هو الحق من عندك يا الله يدعون الله على أنفسهم بأن يمطر عليهم حجارة من السماء فتبيدهم نهائيا أو أن يعاجلهم بعذاب أليم ليتخلصوا من ذلك الحق ما هو ذلك الحق الذي بلغوا من نفورهم منه وعنادهم تجاهه وكرههم له إلى درجة أن يدعوا على أنفسهم بالهلاك بهذه الطريقة هذه الطريقة المخيفة مطر حجارة من السماء أو عذاب أليم يجتاحهم ويبيدهم شيءٌ غريب، دين عظيم فيه الخير فيه الشرف فيه السعادة فيه الحرية فيه الكرامة فيه العزة فيه السمو فيه رحمة الله في الدنيا فيه الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، الإنسان إذا ساء يمكن أن يتنكر حتى لأجمل وأرقى وأعظم ما في الحياة إلى هذه الدرجة وهذا المستوى من التنكر ويمكن أن يحمل في نفسه الكراهية والنفور من الحق الواضح الجلي الذي فيه الخير له وفيه الحل له يقول القرآن الكريم عنهم أيضا [لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ] وصلوا إلى درجة رهيبة من الخذلان على مدى سنوات طويلة سمعوا فيها صوت الحق وعرفوا هذا الحق ونفروا منه وصلوا في الأخير إلى درجة من الخذلان أن يسلبوا التوفيق نهائيا وأن يحق عليهم القول أصبحوا في موقع الاستحقاق للعذاب الإلهي وأن لا يوفقوا للتوبة والهداية أبدا وأن لا يصلوا إلى الإيمان فسدت نفوسهم شقاقهم وعنادهم صنع فيهم ذلك الأثر السيئ الذي خربهم نهائيا فأصبحوا فاقدين لكل عناصر الصلاح والخير التي يمكن أن تهيئه للإيمان مجددا، والمشكلة فيهم هي ارتباطهم بتلك الزمرة والفئة من رموز الشر والباطل والطاغوت البعض منهم قالوا كما حكى الله عنهم في كتابه الكريم [وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا] قالوا صحيح أنت تقدم هدى هدى من الله ولكن ليس بوسعنا أن نتبع معك هذا الهدى لأننا سنعرض كل مصالحنا للخطر ويمكن أن يتجه الآخرون لعدائنا والاستهداف لنا فتتعرض مصالحنا الاقتصادية للخطر ونتعرض في أمننا واستقرارنا للخطر والاستهداف رد الله عليهم [أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ] في الأخير وصل الحال بمجتمع مكة في أكثريته وتحت قيادة زمرة الشر الطاغوت المستكبرة المتمثل آنذاك في أبو جهل وأبو سفيان ومن معهم وصل الحال بهم إلى التآمر على شخص الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وبعد مرحلة طويلة من التكذيب والأذى والحرب الإعلامية والدعائية ضد الرسول والإسلام وضد مبادئ الإسلام الرئيسية والإكثار من الجدل والخصام والأذية والاضطهاد للمسلمين في نهاية المطاف التآمر على رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله بهدف التخلص منه والاستهداف المباشر له يقول الله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] فهم ضاقوا ذرعا بالرسول صلوات الله عليه وعلى آله في دعوته إلى الله لهذا الإسلام العظيم واتجهوا في نهاية المطاف بمكرهم ومؤامرتهم بالاستهداف له في مكرهم وفي مخططاتهم ومؤامراتهم درسوا عدة خيارات لاستهداف الرسول صلوات الله عليه وعلى آله أول خيار طرح [لِيُثْبِتُوكَ] يعني ذلك الزج به في السجن وإغلاق السجن عليه والحيلولة بينه وبين الناس الخيار الآخر أو يقتلوك الخيار الثالث أو يخرجوك واستقر رأيهم كما ورد في السير والتاريخ إلى الخيار الثاني الذي هو القتل الاستهداف لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله بالقتل.

لتصفح وقراءة وتنزيل المحاضرة كاملة اضغط الرابط التالي:-

محاضرة السيد عبد الملك بدرالدين الحوثي بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية 1محرم 1440هـ