القرآن الكريم

البرنامج اليومي (السابقون بطبيعتهم عندهم روح المبادرة, وعندهم حرص على رضوان).

برنامج رجال الله اليومي.

آيات  من سورة الواقعة صـ3ـ4.

السيد حسين بدر الدين الحوثي.

إسعَ في هذه الدنيا أن توفر لنفسك الرزق الحلال, إسعَ بكل ما تستطيع, وبكل ما تتمكن في حدود أنك ما تدخل في باطل, ما تدخل في محرم, ولكن ليكون هم الإنسان هو أن يحشر يوم القيامة آمناً, أن يحشر يوم القيامة وهو ممن يحمد الله, وهو ممن يرضى عن نفسه؛ لأنه يوم القيامة كما قال الله عن المؤمنين في سورة [الغاشية]: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ}(الغاشية9).

فتكون يوم القيامة أنت ترضى عن نفسك, ترتاح من نفسك أنك عملت أعمالاً كثيرة, وكانت أعمالك صالحة, فترى جزاءها الحسن, فترضى عن نفسك, ويرضى الله عنك, وترضى عن الله, ترضى عن الله, وترضى عن نفسك, وترى أنك كنت في نصح نفسك, عملت في نجاة نفسك.

بينما الآخرين, تجد الآخرين كل واحد متحسر, كل واحد يعاتب نفسه, كل واحد يتألم على نفسه {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ}(الزمر56) ما هؤلاء يلومون أنفسهم؟ يغضبون على أنفسهم؟ يكاد كما قال الله: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ}(الفرقان27) يعظ واحد أصابعه من الغيظ على نفسه هو, من الغيظ على نفسه أنه فرط في نفسه, فرط في نجاة نفسه, أضاع الفرصة التي سنحت له في الدنيا فرأى جهنم أمامه لها زفير, لها شهيق, لها تغيض من شدة احتراقها, ويرى بشائر السوء وهو في المحشر عندما يؤتى صحيفة أعماله بشماله, من وراء ظهره, يرى أن قد هي بداية, بداية تعني أن مصيره إلى جهنم.

{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ}(الحاقة25) ما هذا تحسر؟ {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ}(الحاقة27) ليت أن الموت الذي حصل في الدنيا أنه كان آخر ما يكون, فلا نبعث من جديد.

بينما المؤمن يحمد الله على البعث, يحمد الله وهو في مقام الحساب, يحمد الله عندما يدخل الجنة؛ لأنها كلها يجد نعمة عظيمة عليه أنه بعث من جديد ليلقى الجزاء الحسن, يرى في المحشر الناس خائفين وهو مطمئن, الناس في هول شديد وهو على الأرائك مع المؤمنين آكلين شاربين ويتفرجون على الآخرين, ويسخرون منهم, ويضحكون منهم.

{فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}(المطففين34) تجد أناساً أبصارهم شاخصة, لا يعد يستطيع يطرِف بعينه, وأنت شارب آكل مرتاح على [كَنَب] على كراسي تضحك من أولئك وهم في حالة شديدة.

هذه هي القضية التي يجب أن الإنسان يحرص مهما عانى, مهما تعب, مهما لقي من مشاكل من أجل الحياة الأبدية, أن يقدم على الله وهو آمن فيها, يفوز برضوان الله, يفوز بجنته, فيكون راضياً عن نفسه, ويكون ممن ترفعهم القيامة.

لاحظ عندما يقول هنا: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} ما هو يتحدث عن القيامة؟ أي ستحصل هذه في القيامة, فتخفض ناس وترفع ناس.

{إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً}(الواقعة4) يتحدث عن أهوال القيامة نفسها, ترتج الأرض, زلزلة شديدة, تتقلع منها الجبال, تندك منها الجبال, تتحول إلى هباء منبثا كما قال هنا: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً} (الواقعة5) الهباء كالذرات التي تراها عندما يدخل شعاع الشمس إلى غرفتك, وترى في شعاع الشمس تلك الذرات, تصبح الجبال مثل الضباب, تتحول إلى هباء منبثاً, وتندك الأرض كلها, وتتحول إلى صعيد واحد.

{وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً}(الواقعة7) في يوم القيامة تكونون ثلاثة أصناف, الناس يكونون إجمالاً ثلاثة أصناف, والناس كل الناس, كنتم أنتم أيها المخاطبون من البشر, لا يتحدث فقط عمن كانوا في أيام رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله), كنتم أنتم أيها الناس في أي زمان كنتم؛ لأن المسيرة واحدة, الذين كانوا في أيام رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله), ونزل القرآن في أيامهم, ويسمعونه وهو يقول: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً}, المسيرة واحدة, ما هم ساروا هم إلى الآخرة؟ ماتوا, من في القرن الثاني ماتوا, من في القرن الثالث ماتوا.

وهكذا مسيرة البشرية جيل بعد جيل رائحين إلى حيث سيكونون أزواجاً ثلاثة, يعني أصنافاً ثلاثة, يتحدث عن هذه الأصناف الثلاثة: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ}(الواقعة8) مثلما نقول: باهرين, وعظماء, وجيِّدين, أصحاب الميمنة, اليُمْن, أصحاب اليمين واليُمن, {مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ}! هذا من الصنف الجيد, من الصنف الذي يكون آمنا يوم القيامة, ويكون مصيرهم الجنة.

وهي عبارة تعظيم {مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ}, عبارة تعظيم, لكن ما يزال هناك أعظم من هؤلاء, الصنف الثالث وهم: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}, وقبل هذا قال: {وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ}(الواقعة9) أصحاب المشأمة, أصحاب الشمال, أصحاب الشؤم, الشقاء, الذين هم يعدون أشقياء, ويعتبرون أشقياء, هم كذلك, تهويل لموقفهم, تهويل لما سيلاقون من العذاب ومن سوء الحساب.

{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} هذا الصنف الثالث: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} هؤلاء السبَّاقين إلى الخير, السبَّاقين إلى طاعة الله, السبَّاقين إلى رضوان الله, السبَّاقين إلى الإستجابة لله ورسوله, السبَّاقين إلى العمل بكتابه. هذه الصفة مهمة, وأثنى عليهم بخصوصهم فقال: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}(الواقعة11) المقربون عند الله.

أصحاب الميمنة ناجين, ناجين لكن عاد هناك صنف آخر هم المقربون, أرفع درجة, أعلا مقاماً, عظماء جداً عند الله سبحانه وتعالى.

السابقون هم السابقون إلى الخير, المبادرون, لا يكونون مثلاً مثلنا يكون آخر من يتحرك, آخر من يستجيب, آخر من ينطلق, آخر من يسمع, آخر من يفهم! لا.

السابقون بطبيعتهم عندهم روح المبادرة, وعندهم حرص على رضوان الله سبحانه وتعالى, يحرص على أن يحظى برضوان الله فيكون مبادراً إلى أي عمل يحتمل أن فيه رضوان الله, خلي عنك نوعيتنا الذي يحاول مثلاً يسمع عن عمل فيه رضى لله, بل هو واجب عليه وما زال محاول أن لا يتحرك, يكون محاول أن لا يكون ملزماً بأن يتحرك فيه, هؤلاء ليسوا سباقين, هذه النوعية قد يكونون في الأخير من أصحاب الشمال.

فالإنسان المؤمن هو مطلوب منه أن يكون سبَّاقاً, والسبق نفسه هو يشكل ضمانة كبيرة بالنسبة لك, مثلاً السباقين حتى ولو كانت نسب أعمالهم الشخصية أقل من أصحاب الميمنة سيكونون أعظم, قد يكون من أصحاب الميمنة مثلاً ناس لهم أعمال كثيرة لكن هي عادة من الأعمال التي لا تتجاوز حدود شخصيته, كثير التسبيح, كثير الصلاة, كثير الصيام, كثير تلاوة القرآن الكريم, كثير من الأعمال التي هي أعمال في حدود شخصيته, استجابة لكن استجابة مثل باقي الناس, مثل أطرف الناس.

بينما السبَّاقون هم من بين يشغِّلوا الآخرين كلهم معهم، فبدل ما تكون أنت فقط تسجَّل لك الحسنات التي تنطلق منك أنت, وأنت سبَّاق ستشغِّل كل الناس حتى بعد موتك معك, تكون شريكاً لهم في الطاعة, تكون شريكاً لهم في الأعمال التي ينطلقون فيها وأنت مؤسس فيها, أنت مؤسس فيها.

لك سبق مثلاً في بناء مدرسة علمية, لك سبق في حركة ضد أعداء الله, لك سبق في نشر العلم, لك سبق في محاربة أعداء الله, لك سبق في الميادين التي تكون في هداية الناس, هي ميادين يستمر العمل فيها حتى بعد موتك, هنا أنت تشغِّل المجتمع كله يشتغل معك [أوتماتيكياً], فتكون شريكاً في أعمال الناس, العشرات من الناس, بل ربما يطلع أشخاص أعظم منك باعتبار مؤهلاتهم, باعتبار كفاءاتهم, فيكون ذلك كله إنما هو ثمرة من ثمار جهودك.