القرآن الكريم

اليمنيون يحتفلون بإسلام أجدادهم في الجمعة الأولى من رجب

| متابعات وبحوث | 2 رجب 1441هـ/ الثقافة القرآنية:-

“للجمعة الأولى من شهر رجب أهمية وذكرى مميزة وعزيزة، من أعز وأقدس الذكريات لشعبنا اليمني المسلم العزيز، وتعد أيضًا من الصفحات البيضاء الناصعة في تاريخ شعبنا المسلم، هذه الذكرى هي واحدة من ذكريات ارتباط شعبنا العزيز بالإسلام العظيم، في الجمعة الأولى، حيث التحق عدد كبير من أبناء اليمن بالإسلام، في ذكرى تاريخية عظيمة ومقدسة ومهمة.

ولذلك هي مناسبة مهمة في الحفاظ على هوية شعبنا المسلم، وفي تجذير وترسيخ هذه الهوية لكل الأجيال الحاضرة والمستقبلية، الهوية التي يمتاز بها شعبنا اليمني، الهوية الإسلامية المتأصلة، هي تعود إلى تاريخ أصيل لهذا الشعب، فعلاقته بالإسلام، وارتباطه بالإسلام، وإقباله على الإسلام منذ فجره الأول كان على نحوٍ متميز، وعلى نحو عظيم.

وفي الجمعة الأولى من شهر رجب كان هناك الإسلام الواسع لأهل اليمن، والذي أسس لهذه المناسبة في الذاكرة والوجدان التاريخي لأهل اليمن، فكانت مناسبة عزيزة يحتفي بها أهل اليمن، في كل ما تأتي هذه المناسبة في كل عام، الجمعة الأولى من شهر رجب، وما عرف في الذاكرة الشعبية بالرجبية.

فإذاً هذا الإقبال والواسع إلى الإسلام طوعًا ورغبةً وقناعةً، وكان دخولًا صادقًا وعظيمًا ومتميزًا، أهل اليمن سواءً من كان منهم مهاجراً في مكة مثل عمار وأسرته، والمقداد وغيرهما، مثلما هي حكاية الأنصار في يثرب المدينة، مثلما هو الواقع للوفود التي توافدت من اليمن والجماهير التي دخلت في الإسلام.

عندما أتى الإمام علي عليه السلام، هو أتى حسب الاستقراء التاريخي لثلاث مرات إلى اليمن، وفي البعض منها كان يبقى لشهور متعددة يدعو إلى الإسلام، ويعلِّم معالم الإسلام، وينشط في الواقع الشعبي والمجتمعي، وتنظيم الحالة القائمة في البلد على أساس تعاليم الإسلام ونظام الإسلام، ومبتعثين آخرين أيضا أكملوا الدور في بعض المناطق كما هو معاذ بن جبل، وهكذا نجد أنَّ الدخول اليمني، والتاريخ اليمني، والهوية اليمنية الأصيلة المرتبطة بالإسلام ارتباطاً وثيقاً ودخولاً كلياً.

الجمعة الأولى من رجب، والتي كان فيها دخول جماعي وكبير في دين الله أفواجاً، على يد الإمام علي “عليه السلام”، بقي اليمنيون- على مر التاريخ- يحتفون بهذه الذكرى؛ لأنها ذكرى للنعمة الإلهية، للتوفيق الإلهي، والله “سبحانه وتعالى” يحث عباده على التذكر للنعم، وفي مقدمتها نعمة الهدى، وهي أعظم النعم على الإطلاق، ونعم الله “سبحانه وتعالى” جديرة بالتذكر، والتذكر للنعم والتذكير بها هو عامل مساعد في التقدير لها؛ وبالتالي الشكر للنعمة، بكل ما يترتب على الشكر من المزيد من رعاية الله سبحانه وتعالى وإنعامه“.

بهذه الكلمات النفّاعة اختزل السيد عبدالملك الحوثي عظمة وماهية وأهمية الجمعة الأولى من شهر رجب، ومكانتها في ذاكرة ووجدان وتاريخ اليمنيين.

الجمعة الأولى من شهر رجب يوم من أيام الله وعيد من أعياد الله، اعتاد اليمنيين كابر عن كابر تعظيمه وإظهار كل مباهج الفرح والسرور فيه، وهو لا يقل أهمية ومكانة وقداسة في حياتهم عن أعياد الفطر والأضحى والغدير والهجرة والمولد النبوي الشريف والإسراء، يحييونه بالحمد والشكر على ما إمتنّ الله به على أبائهم من نعمة إعتناق دين الرحمة المهداة، والإيمان برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آل الطيبين الطاهرين، طواعية، بلا جدال ولا مماراة ولا وخوف، بل حُباً وعِشقاً للحق وأربابه.

 

تُرافق الاحتفال بذكرى دخول الإسلام إلى اليمن طقوس متوارثة منذ مئات السنين، ففي السنة التاسعة للهجرة دخل الإسلام إلى اليمن، وتحديدا في أول جمعة من شهر رجب حينما وصل الصحابي الجليل مُعاذ بن جبل إلى منطقة الجَنَد بمحافظة تعز، ليبني أول جامع حيث وقفت ناقته، ويدعو الناس إلى الدين الجديد، فدخل اليمنيون في دين الله أفواجا ولا زالت الصوفية تحتفل بهذه الذكرى العظيمة في ذات المكان والزمان الى يومنا، يخرج الناس رجالاً ونساءً وأطفالاً إلى جامع الجند، يستمعون الخطب والأناشيد والمدائح النبوية التي تقام على هامش الذكرى, ويمكثون أياماً يعيشون خلالها أجواء الإسلام وتاريخ الإسلام في اليمن.

وفي عيد رجب تظهر كل مباهج الأعياد من فرح ومرح وإبتهاج وغبطة ولبس لجديد الثياب، وتطيب وتطييب للبيوت والجوامع بأنواع البخور ورشها بماء الورد، والتوسعة على الأهل والأولاد، وتبادل الزيارات والهدايا والتهاني وصلة الأقارب والأرحام، وإختضاب النساء والفتيات بالحناء والنقش، وذبح الذبائح وتوزيعها على الفقراء والمساكين والأرحام، وإقامة الولائم، وشراء الحلوى وتوزيعها على الأطفال المبتهجين، وإقامة الندوات والاحتفالات وإنشاد الموشحات الدينية في المساجد والمقايل والصالات، وتذاكر ما كان عليه الفاتحين من أجدادهم من محامد الأخلاق والشجاعة والإقدام والنجدة والعزة والنخوة والإباء وإغاثة الملهوف والتفريج عن المكروب ونصرة المظلوم ورفض الضيم.

مشروعية الاحتفال:

دأبت الجماعات التكفيرية على محاربة كل ما يذكر الناس بدينهم ونبيهم، بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان، وتفسيق وتكفير وتبديع المحتفين من المؤمنين والموحدين بميلاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو هجرته أو ذكرى الإسراء أو عيد الغدير أو عيد الجمعة الأولى من رجب ذكرى دخول أجداد اليمنيين الإسلام ..، دون أن يكون لديهم أي دليل عقلي أو منطقي أو نصي مقنع، بل مجرد أهواء تُتبع ونزوات تُبتدع وعصبيات جاهلية تُخترع، خدمة لأولياء نعمتهم من الملوك والسلاطين، وهذه أم الأثافي.

ولنا هنا أن نسألهم: ما المحرمات المرتكبة في إحياء ذكرى عيد جمعة رجب على سبيل المثال كي يستشيطوا غضباً ضد المحتفين بها، قد ربما هي مظاهر البهجة والشكر بما تكرّم الله به على أباء اليمنيين من نعمة الإسلام وسجود خير الأنام شكرا لإسلامهم، وقد ربما يكون تذكر ما كان عليه جيل الفاتحين من الأنصار والمهاجرين من تفاني في خدمة ونشر الدين الخاتم، وقد ربما ما يرافق ابتهاج اليمنيين بدخول أجدادهم الاسلام وما يصاحبها من فعاليات تذكر الأحفاد بهويتهم الإيمانية، وقد ربما يكون ما سبق من الكبائر الموجبة لغضب وسخط الجبار، هكذا فهمهم للأسف، لكن ما رأي علماء الدين في الاحتفال بجمعة رجب؟.

– العلامة يحيى بن حسين الديلمي: قد يشوه البعض على هذه الذكرى العطرة، فيقول هؤلاء: أنها بدعة، والبدعة مالا أصل له في الإسلام – مالا يوجد له أصل في الإسلام فهو بدعة – والقرآن يخبرنا آمِراً ومرشداً أن نفرح برحمة الله وبفضله، ومعلوم أن الإسلام رحمة والقرآن رحمة والرسول صلى الله عليه وآله وسلم رحمة “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ” “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ”، أن يتغنى الإنسان ويبتهج بأنه انتقل من الضلال إلى الهدى، من العذاب إلى الرحمة، من الشر إلى الخير؛ ويجعلها مناسبة “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ“.

 

ثم كان الناس في جمعة رجب يلبسون الجديد ويتزاورون؛ ويلقي بعضهم على بعض تحية العيد، فلا أدري أين تكمن البدعة؟؛ وبالتالي يتذاكر اليمنيون قصة إسلام أهل اليمن، وكيف دخلوا في دين الله أفواجاً؟، ولماذا سجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أتاه خبر إسلام أهل اليمن؟.

خصوصا تلك القبائل التي أقبلت على الإسلام من دون مجادلة، ومن دون معاندة وقتال ونزل قول الله تعالى “إذا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً“.

– العلامة عدنان الجنيد: إحياء ليلة جمعة رجب والاحتفال بيومها، داخلة في عموم قوله تعالى: “وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ”، وقوله تعالى: “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ“

فالآية الأولى تشير إلى أن تعظيم شعائر الله تُعد من التقوى، والشعائر هي معالم الدين – كما قال المفسرون – وإذا كانت مناسك الحج تسمى بالشعائر،  فإنما لكونها علامات للتوحيد والدين الحنيف، وكل ما هو شعيرة لدين الله فإن تعظيمه مما يقرب إلى الله، ولاشك بأن مسجد الجند ومسجد الأشاعر والجامع الكبير الذين أشرق نور الإسلام منهم من أبرز علامات دين الله تعالى، وتخليد هذه المناسبة فيهم مما يقرب إلى الله تعالى .

وأما الآية الثانية فهي تأمرنا بأن نفرح بفضل الله وبرحمته المهداه، نعم فلقد تفضل الله علينا بالإسلام ورحمنا بنبيه عليه وآله الصلاة والسلام، فأخرجنا من الجهالة الجهلاء إلى الأنوار واللألاء، فيحق لجميع اليمنيين أن يفرحوا بيوم جمعة رجب، ويقيموا في تلك المساجد الاحتفالات الدينية والمحاضرات المحمدية، ويربوا أجيالهم على ذلك حتى يعرفوا عظمة ما هنالك.

– العلامة محسن الرقيحي: يتم الاحتفال بهذه المناسبة انطلاقاً من قول الله تعالى “ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ”، وهذه المناسبة من أعظم الشعائر الإسلامية، كونها ذكرى إسلام اليمنيين،ن في أن يحتفلوا بها، ويتذكروا فيها مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما علم بإسلامهم.

– العلامة حسين أحمد السراجي: الاحتفاء بهذه المناسبة وجعلها عيداً فيه ذكرٌ وحمدٌ وثناءٌ وصلة أرحام وتفقد للفقراء والبائسين والإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر عظيم وسنة حسنة دعانا إليها العلي العظيم في محكم تنزيله ونبيه الهادي في صحيح مسنونه.

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ“.

“وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ“.

وقال سول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا”، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟، قال: “حِلَق الذكر“.

وقال سول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء“.

فهل هناك أعظم من الابتهاج بالهداية والتوحيد المتضمن حمد الله وشكره والثناء عليه وصلة الأرحام والتوسعة على المحتاجين والصلاة على الهادي وآله؟.

بل إن كل واحدة من هذه الخصال تعد مشروعاً خيرياً متكاملاً يعتبر من صميم روح الإسلام وجوهر دعوته.

لعمري إن أهل الاحتفاء والبهجة، هم أهل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :”ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله تعالى لا يريدون بذلك إلا وجه الله إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفوراً لكم قد بُدِلَت لكم سيئاتكم حسنات“.

* فضائل أهل اليمن:

يقول مفتي الديار اليمانية العلامة شمس الدين شرف الدين الباشا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكد منذ فجر الإسلام على الهوية وأن الدين سيكون له كلمته في أنحاء المعمورة على أيدي رجال من أهل اليمن، عندما، قال: ” وأمدني بملوك حمير يأتون فيأخذون مال الله ويقاتلون في سبيل الله، وقوله لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم، وأشار بيديه إلى اليمن .

ويتحدث العلامة محمد بن علي الأهدل في كتابه: “نثر الدر المكنون في فضائل اليمن الميمون” عن نزول 6 آيات في فضائل أهل اليمن؛ منها سورة النصر، ومنها: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ” الى غيرها من الآيات، وورد فيهم 120 حديثاً، منها قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: “أتاكم أهل اليمن أرق قلوبا وألين أفئدة، الإيمان يمان والحكمة يمانية والفقه يمان” “إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن” إلى غير ذلك من الأحاديث التي تبين مقام و مكانة أهل اليمن، ويكفيهم من عظيم الشأن نزول سورة بإسم سبأ.

يذكر أصحاب السير أن رسول الله صلى عليه وآله وسلم بعث عدة أشخاص الى اليمن منهم كما ذكرنا آنفاً معاذ بن جبل ومنهم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ومنهم خالد بن الوليد وأبو موسى الأشعري وغيرهم، وكان بعث النبي للإمام علي الى اليمن عدة مرات منها الى همدان ومنها الى زبيد ومنها الى مذحج ومنها الى نجران.

يقول الصحابي الجليل البراء بن عازب بعث النبي  صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد إلى اليمن، فكنت مع خالد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم الى الإسلام، فلم يجيبوه، ثم أن النبي بعث علياُ عليه السلام، فأمره أن يقفل خالداً، إلا رجلاً ممن كان مع خالد، أحب أن يعقب مع علي عليه السلام فليعقب معه.

فبعث علياً – عليه السلام – وكنا فيمن عقّب على “علي” ثم صفّنا صفاً واحداً، وتقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم  فأسلمت همدان جميعاً فكتب إلى رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم بإسلامهم، فلما قرأ صلى الله عليه وآله وسلم الكتاب خرّ ساجدا،ً ثم رفع رأسه، فقال: “السلام على همدان” ( كررها ثلاثاً ) ثم قال: “نعم الحي همدان، ما أسرعها إلى النصر، وأصبرها على الجهد، منهم أبدال، وفيهم أوتاد الإسلام.”

يقول العلامة عدنان الجنيد: في أول جمعة من رجب أجتمع للإمام علي عليه السلام مع مشائخ همدان – آنذاك – وبعد أن أعلنوا إسلامهم على يديه بأجمعهم صلى بهم العصر في المكان المعروف حاليا بجامع علي في سوق الحلقة بصنعاء القديمة، وبعد أن أسلمت همدان، أسلمت جميع القبائل اليمنية.

وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن همدان يعد دليلاً واضحا على ما هو واقع ويجري في عصرنا الحاضر”وما اصبرها على الجهد”، إذ لا يوجد شعبٌ من شعوب الأرض قد صبر هذا الصبر، رغم الحصار الجوي والبحري والبري من قبل تحالف عدوان العاصفة، والذي لا يزال مستمراً منذ ست سنوات.

وأجمع المسلمون على أن أهل اليمن جميعاً أسلموا على عهد رسول الله عكس غيرهم من الأقوام، ومن لطيف ما يرويه إبن جرير في تفسيره لقول تعالى: “ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا”، عن “عبدالله بن عباس”، قال: بينما رسول الله بالمدينة، إذ قال: “الله أكبر الله أكبر، جاء نصر الله والفتح وجاء أهل اليمن“.

قيل يا رسول الله: وما أهل اليمن.

قال: “قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان والحكمة يمانية“.

وعن “جبير بن مطعم”، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “يطلع عليكم أهل اليمن، كأنهم السحاب، هم خيرُ أجناد أهل الأرض“.

ومن حديث “عمرو بن عنبسة”، مرفوعاً: “خيار الرجال رجال أهل اليمن، والإيمان يمان وأنا يمان“

ويكفي اليمنيين فخراً أن أول سابق الى الإسلام وشهيد فيه بمكة، هو: أبو عمار “ياسر بن عامر العنسي المذحجي“.

وأول مسلم من أهل اليمن فيه كما يذكر صاحب “الإصابة والإستيعاب”، هو “ذؤيب الخولاني”، فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “عبدالله”، وأراد مدعي النبوة الأسود العنسي الكذاب، إحراقه بالنار، فلم تضره.

ونختم مبحثنا هذا بقول العلامة محمد بن علي الاهدل في كتابه القيم “نثر الدر المكنون في فضائل اليمن الميمون”، وكفى اليمن شرفاً أن يجد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم نفس الرحمن من قِبله، وسجوده شكراً لله تعالى على إسلام أهله، الذي دلّ مصدره ببرهان ساطع على سعة مداركهم وسلامة عقولهم ومعرفتهم الحق الواضح، وتمييزه عن الباطل، فكانوا أسرع الأمم انقياداً الى الدين الإسلامي، والإيمان به، بدون احتياج الى حرب أو مناقشات جدلية، وإنما عرفوا الحق فأذعنوا له وسلموا اليه طائعين.

لا يجهل أحدٌ دروس التاريخ أن أخلاق الأمم لا تتبدل إلا بمرور الأزمان الطويلة والأيام الكثيرة، لأن السنين العديدة بالنسبة لحياة الأمة كساعات يسيرة بالنسبة لحياة الفرد، فإذن نقدر أن نقول أن اليمن الذي خضع للدين الإسلامي منذ بزوغ نوره غير مقسور ولا مكره ولا معاند، يدلنا فعله على مكانة أهله في الجاهلية وأنهم كانوا على بينة من أمرهم وأن آثار العظمة الماضية لا زالت باقية في أخلاقهم، لهذا كانوا يسيرون مع الحق جنباً لجنب.

جاء الإسلام بنوره الساطع فأشرق على قلوبهم النيرة، ووجد مرتعاً خصباً في صدورهم الواسعة، فمنحهم إيماناً صادقاً، ومعرفةً حقةً، فاتبعوه في كل الأدوار، ولذلك لا ترى أغلبهم إلا في صف الإمام العادل منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحتى عصرنا.

 

مركز البحوث والمعلومات: زيد المحبشي