القرآن الكريم

رسول الله والذين معه بين الشدة والرحمه. بقلم/ زيد البعوه

| مقالات | 11 ربيع الأول 1442هـ/ الثقافة القرآنية :- رسول الله والذين معه بين الشدة والرحمة. بقلم/ زيد البعوه

رغم المآسي والجراح ورغم العدوان والحصار ورغم الظروف والتحديات يصر الشعب اليمني المجاهد العزيز الصامد على إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف بعنفوان وزخم جماهيري كبير  كما هي عادته كل عام تعظيماً لفضل الله وشكراً لنعمته وفرحة برحمته ، في الثاني عشر من ربيع الأول ولدت الرحمة العالمية المحمدية الإسلامية من رحم الرحمة الإلهية متجسدة في شخصية الرسول محمد صل الله عليه وآله الذي أرسله الله رحمة للعالمين ، وهكذا في كل عام يحتفي المسلمين في ذكرى ميلاد سيد البشرية وتتجدد الرحمة الإلهية المحمدية وتتوسع وتكبر في ذكرى ميلادها الأول لتعم العالم كرسالة سماوية ربانية نورانية قائمة على الرحمة فيما بين المؤمنين وتنبثق منها الشدة في مواجهة الكفار والمستكبرين كمعايير وثوابت وتشريعات إلهية نصت عليها السور والآيات القرآنية تضبط قوانين ونتائج الصراع بين الحق والباطل والنور والظلام والرحمة والشدة حتى يرث الله الأرض ومن عليها

شعار الذكرى السنوية للمولد النبوي الشريف لهذا العام بعنوان قول الله تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) بما تتضمنه هذه الآية من دروس وعبر ومعاني وهي ليست مجرد شعار لمناسبة أو ذكرى فقط بل هي دستور إلهي يتحدث عن اعظم شخصية عرفها التاريخ عن مواصفات عظيمة لـ رسول الله صل الله عليه وآله ومن معه من المؤمنين الصادقين الذين تنطبق عليهم التي وردت في الآية ولا يقتصر الأمر على فترة زمنية معينة بل تشمل كل زمان ومكان منذ عهد رسول الله محمد إلى آخر أيام الدنيا لأن القرآن الكريم للبشرية أجمعين منذ نزول أول آية حتى تقوم الساعة والرسول محمد صل الله عليه وآله رسول  للعالمين منذ نزول الوحي والبعثة حتى يوم القيامة والذين معه في عصره من المؤمنين والذين آمنوا به بعد موته الى يوم الدين هذه هي مواصفاتهم رحماء بينهم أشداء على الكفار مواصفات ثابتة لا تتبدل ولا تتغير تلازمهم في السراء والضراء والشدة والرخاء الى مالا نهاية

الآية من حيث المبدأ تتحدث عن منهجية حكيمة وقيم ومبادئ سامية تضبط توازن كيان المجتمع الإيماني وترشده وتهديه الى مواصفات يجب ان يتصف بها تضمن بقائمه باستمرار في حالة قوة وعزة وعنفوان وتماسك  في ميدان الصراع  الشامل بين الحق والباطل حيث بدأت الآية بالاسم والمهمة محمد رسول الله ومباشرة قال تعالى والذين معه بدون أي مقدمات لأن الذين معه لا شك هم مؤمنين والله يتخاطب معهم من موقع الربوبية والعلم والمعرفة بدون أي تمييز خصوصا من توجه الخطاب اليهم في هذه الآية وكانه يقول للمؤمنين الذين مع رسول الله وهو يقول لهم يجب ان تكونوا هكذا أشداء على الكفار رحماء بينكم ، الرسول محمد صل الله عليه وآله هو هكذا في كل الأحوال وانتم يجب ان تكونوا هكذا كمؤمنين وفي حال كان هناك التزام وتسليم واستجابة وتجسيد سلوكي وعملي لهذه الآية وهذا التوجيه وهذا الأمر الإلهي فمن المؤكد فإن واقعكم الإيماني والعملي سوف يكون قوياً ومثمراً وأدائكم الجهادي والعملي سوف يكون مكللا بالنصر والتأييد والتمكين في كل مجالات الصراع مع الأعداء

ولأن الآية الكريمة تتحدث عن مواصفات المؤمنين وقيادتهم المتمثلة في شخصية الرسول محمد صل الله عليه وآله في حالة الصراع المتعدد مع الكفار والمشركين أعداء الإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان فهي تؤكد على ضرورة ان يكونوا أشداء على الكفار بكل ما تعنية الشدة في المواقف وأشداء ميدان المعركة العسكرية واقويا في إيمانيهم وفي توجهاتهم وتصرفاتهم وأعمالهم وأشداء في أقوالهم وأفعالهم حتى لا يرى العدو منهم ولا فيهم أي مكان للضعف فيطمع في النيل منهم وحتى  يكون أدائهم ودورهم العملي والجهادي قوياً بقوة الله وقوة رسوله وقوة القرآن الكريم وقوة مبادئ وتعاليم الإسلام في كل مجالات الحياة السياسية والأمنية والاجتماعية والعسكرية والثقافية والإعلامية وغيرها تكون جميعها قائمة على الشدة في مواجهة الكفار والطواغيت والمستكبرين ، ومن كان شديداً على المؤمنين يعتدي عليهم ويقتلهم ويسفك دمائهم ويزهق أرواحهم فلا يمكن ان يكون انتمائه للإسلام الإلهي المحمدي انتماء حقيقياً  ويشهد على ذلك عندما يكون لطيفاً مع الكفار والمستكبرين يطبع معهم العلاقات ويواليهم ويتحرك في خدمتهم ضد الإسلام والمسلمين كما هو الحال بالنسبة لبعض الأنظمة الأعرابية مثل آل سعود وعيال زايد وآل خليفة ومن يدور في فلكهم الذي تشهد أفعالهم على ان واقع انتمائهم للإسلام يتنافى مع توجيهات الله ومع ما ورد في هذه الآية فرحمتهم باليهود والنصار وحبهم لهم وحقدهم على المؤمنين وطغيانهم عليهم يثبت انهم ليسوا من المؤمنين الذين تحدث الله عنهم في هذه الآية

وهكذا الحال بالنسبة للرحمة فيما بينهم ، محمد رسول الله صل الله عليه وآله هو بحد ذاته رحمة وللعالمين بشكل عام كما قال الله تعالى في قوله عز وجل (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) كصفة شاملة وثابتة وأساسية في شخصيته ورسالته وأعماله ومواقفه ليس هذا فحسب بل كمهمة رئيسية يتحرك على أساسها في هداية البشرية أجمعين فرسالته قائمة على الرحمة التي هي امتداد لرحمة الله تعالى الذي وسعت رحمته كل شيء ولكن الآية القرآنية التي تحمل عنوان الذكرى والمناسبة هي تتحدث عن الرحمة في الكيان الداخلي للمؤمنين فيما بينهم بداية من رسول الله محمد الى آخر مؤمن ، فهذه الآية القرآنية هي تضبط معايير التعامل فيما بين المؤمنين مع نبيهم ومع بعضهم البعض سلوكياتهم ، وأعمالهم ، ومواقفهم ، وتصرفاتهم ، وأخلاقهم ، وأقوالهم وأفعالهم ، وتسليمهم  ، واستجابتهم لله ورسوله كمواصفات دائمة تسودها الرحمة والحب والإحسان والتواضع

ومن خلال هذه الآية الكريمة والعظيمة نعرف كمؤمنين اتجاه الشده ، وموضع الرحمة ، متى وكيف وأين يجب ان نكون أشداء ومع من وضد من نكون أشداء؟ وهذا واضح في سياق الآية أشداء على الكفار بكل تصنيفاتهم وأنواعهم ومنهم المنافقين الذين وصفهم الله بقوله (الأعراب اشد كفراً ونفاقاً) وكذلك الحال بالنسبة للشدة في مواجهة الكفار ككفار ومشركين لهم مواقف عدائية ضد الإسلام والمسلمين وأيضاً أشداء في مواجهة اهل الكتاب من اليهود والنصارى بصفتهم اشد الناس عداوة للذين آمنوا ومواقفهم وجرائمهم تؤكد ذلك  ، ولا يمكن ان تكون هناك حالة من الشدة فيما بين المؤمنين انفسهم لأن الشدة بالنسبة للإنسان المؤمن الصادق المستجيب لله يجب ان تكون ضد أعداء الله وليس ضد المؤمنين ومن تصدر منه مواقف شديدة ضد المؤمنين فصفاته وأفعاله تتنافى مع توجيهات الله ومع مواصفات المؤمنين القرآنية التي تحث على الرحمة والألفة والمحبة والأخوة وهنا ايضاَ لا يمكن ان يتصرف الإنسان المؤمن برحمة مع الكفار والمشركين وأعداء الله بشل عام لأن الرحمة فقط تقتصر على المؤمنين فيما بينهم وفق ما ورد في الآية (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) وهذا ما يجب ان نتحلى به ونكون عليه كمؤمنين بالله ورسوله محمد صلوات الله عليه وعلى آله.