السيد عبدالملك الحوثي: يستعرض مسار المشروع القرآني من نقطة الصفر إلى مرحلة التمكين

| أخبار يمنية | 26 رجب 1447هـ الثقافة القرآنية: ألقى السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- كلمة مستفيضة بمناسبة الذكرى السنوية لشهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي -رضوان الله عليه- للعام 1447هـ، تناول خلالها الأبعاد الفكرية والسياسية والميدانية للمشروع القرآني؛ مستعرضًا الظروف التاريخية التي رافقت انطلاقته، والتحديات الراهنة التي تواجه الأمة الإسلامية في ظل الهجمة الصهيونية والأمريكية.

واستهل السيد القائد كلمته بالتأكيد على أنّ ذكرى شهيد القرآن لهذا العام تأتي في “مقام النصر” الذي حققه الله سبحانه وتعالى، مشيرًا إلى أنّ الشعب اليمني أحيا هذه المناسبة على المستويين الرسمي والشعبي بنحو واسع؛ ممّا يعكس تجذّر المشروع القرآني واستمراريته كنهجٍ مبارك ومنتصر.

وأوضح أنّ هذا الإحياء العظيم يأتي في واحدة من أهم المراحل التاريخية والحساسة على مستوى العالم والأمة الإسلامية، حيث يمثل النهج القرآني اليوم مصدرًا يوميًا لصناعة الوعي، وإلهام المعارف، وإضاءة البصيرة، مدفوعًا بزخم جماهيري يحمل الراية ويمضي بها قدمًا.

 

فشل رهانات الأعداء وصمود المشروع

وتطرق السيد القائد إلى بدايات التحرك، حيث لفت إلى أنّ شهيد القرآن تحرك في مرحلة اتسمت بالاستضعاف والمعاناة الشديدة، في وقتٍ كان فيه الأعداء يراهنون بيقين تام على “السند الدولي” لوأد المشروع في مهده.

وأكّد أنّ الأعداء فشلوا في تحقيق هدفهم المتمثل في القضاء على المشروع عبر قتل الشهيد؛ بل إنّ شهادته فازت بارتباطها بأسمى وأقدس مشروع؛ ممّا رسخ القضية في وجدان الأمة؛ معتبرًا الذكرى محطة لترسيخ قدسية التضحية التي قدمها الشهيد ورفاقه، وكل قوافل الشهداء الذين واجهوا مظلومية كبيرة في سبيل الموقف الحق.

وفي مقارنةٍ بين أمة المشروع والأنظمة المعارضة له، وصف السيد القائد “حال الأنظمة العميلة لأمريكا و(إسرائيل) بحال المستكبرين في كل زمان ومكان”؛ مشيرًا إلى أنّ الممارسات الظالمة التي شملت السجون، والقتل، والتدمير، والحروب المتتالية، والهجمات الإعلامية المضللة المعتمدة على إمكانات ضخمة ومساندة إقليمية ودولية، قد باءت جميعها بالفشل.

وشدّد على أنّ المشروع القرآني اليوم حاضر بأقوى مما مضى، معتبرًا ذلك من مصاديق وعد الله للمؤمنين المستضعفين الصابرين، ومتمثلاً لقوله تعالى: ((وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)).

 

معالم الشخصية وعنوان “الثقة بالله”

وركّزت الكلمة بشكّلٍ موسّع على الجانب القدوة في شخصية شهيد القرآن، حيث اعتبر السيد القائد هذه الذكرى محطة للاستفادة من معالمه الشخصية التي تجسدت فيها القيم والأخلاق والروحية القرآنية “سيرةً وقولاً وفعلاً”.

وحدّد السيد القائد “الثقة بالله” كعنوانٍ تصدر قائمة الاحتياجات التي تفتقر إليها الأمة في مواجهة التحديات الراهنة، موضحًا أنّ شهيد القرآن شخّص “أزمة الثقة بالله” كأولوية في مشاكل الأمة، معتبرًا إياها “السبب الرئيسي وراء الضعف، والشتات، واليأس، والهزيمة النفسية، وهو ما انعكس سلبًا على مواقف الأمة وعلاقتها بهدى الله”.

أكّد أنّ ثقة شهيد القرآن بالله كانت “ثقة واعية”، تؤمن بأنّ في القرآن الكريم الهداية الشاملة لإصلاح الواقع المزري وتغييره نحو الأفضل، وتساءل السيد القائد باستنكار عن سبب عدم تحرك أكثر الأمة بناءً على الوعود الإلهية الصريحة مثل قوله تعالى: ((وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ)) و ((إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ)).

وأرجع السيد القائد هذا القعود إلى “ضعف الإيمان” الذي ينعكس على الثقة بالوعد الإلهي، مشيرًا إلى أنّ البعض يتوهم خطأً أنّ هذه الوعود كانت خاصة بصدر الإسلام وانتهت صلاحيتها؛ بينما الحقيقة هي أنّ هدى الله شامل لكل التحديات والمراحل.

 

الانطلاق من “نقطة الصفر” في زمن الانكسار

واستعرض السيد القائد الظروف التي انطلق فيها شهيد القرآن في بداية الألفية الثالثة، مؤكّدًا أنّه تحرك من “نقطة الصفر دون أيّ سند عسكري”، أو جيش، أو دعم من دولة توفر له الحماية.

ووصف الحالة العامة آنذاك بـ”الهزيمة الشاملة” للأنظمة العربية والنخب، خاصة بعد الهجمة الأمريكية تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”، حيث سارعت الأنظمة للتودد للإدارة الأمريكية بالإذعان والطاعة المطلقة تحت مسمى “التحالف”، لافتًا إلى أنّ هذا الانكسار الرسمي انعكس شعبيًّا بحالةٍ من الاستسلام والرضوخ التام؛ ممّا فتح الساحة أمام الأعداء للتحرك فيها كما يشاؤون.

وبيَّن أنّه وفي ظل ذلك الصمت واليأس، برز صوت شهيد القرآن كصوت “مختلف يصدع بالحق وينطق بالقرآن”، متحملاً المسؤولية الدينية في وجه الهجمة التي استهدفت هوية الأمة وحريتها وكرامتها.

وحذّر السيد القائد من أنّ تلك الهجمة كانت تهدف لتحويل الأمة إلى حالة من “العبودية المطلقة” لأذرع الصهيونية (أمريكا، إسرائيل، بريطانيا)، والسعي لطمس الهوية الإسلامية والسيطرة على الثروات والموقع والقوة البشرية.

وشدّد على أنّ الأمة المستهدفة اليوم بحاجة ماسة للتحرك وفق منهج الله لتنتصر على أعدائها الساعين لإذلالها، معتبرًا أنّ المسيرة القرآنية اليوم هي الثمرة المرجوة للانتماء الإسلامي الصحيح، وهي البرهان العملي على أن الثقة بالله والتمسك بمنهجه كفيلان بتحقيق النصر مهما كانت قوة الأعداء وإمكاناتهم.

 

التحذير من أكبر حملة تضليل في تاريخ البشرية

وواصل السيد القائد وضع النقاط على الحروف فيما يخص الرؤية القرآنية للصراع الكوني بين الحق والباطل، مستعرضًا السنن التاريخية والمسؤوليات الملقاة على عاتق الأمة في مواجهة ما وصفه بـ”جبهة الشر والضلال”.

وأوضح أنّ التاريخ البشري لم يخلُ يومًا من الأشرار والطغاة والمجرمين، مؤكّدًا أنّ وجود هؤلاء هو “امتداد مرتبط بالشيطان” في كل العصور والأزمنة، مشيرًا إلى أنّ هذا التواجد المستمر يقابله “مسؤولية راسخة وثابتة” للأنبياء والأولياء، تتمثل في التحرك لإقامة القسط والتصدي للشر والدعوة إلى الخير، معتبرًا إياها من أسمى المسؤوليات المقدسة على مر التاريخ.

وشدّد في هذا السياق على أنّ حال الأمة في هذا الزمن ليس “بدعًا” من القول أو الفعل، ولم تُحمل الأمة في هذا العصر مسؤوليات لم يحملها من سبقها، داعيًا إلى عدم الاستغراب من حجم التحديات الحالية؛ بل فهمها كجزء من حالة الصراع الدائم بين المنتمين للحق والمنتمين للباطل.

وعن خطورة التفريط وأهمية الاستقامة، حذّر السيد القائد في تحليلٍ معمق لمفهوم المسؤولية، من خطورة “التفريط” في الواجبات المقدسة، وما يترتب عليه من عقوبات وأضرار كارثية، مبيَّنًا أنّ سيطرة الطغاة والمفسدين على المجتمعات البشرية ليست “مسألة بسيطة أو هينة”، لأن هدف هؤلاء الطغاة هو السيطرة على حرية الإنسان واستقامته، ومنعه من الانطلاق في مسيرة الحياة وفق تعليمات الله.

وأكّد أنّ القيام بالمسؤولية هو الضمان الوحيد ليبقى “الانتماء الإسلامي” صافيًا ونقيًا وراسخًا في واقع الحياة، منبّهًا إلى أنّ البديل عن تحمل المسؤولية هو تمكين الأشرار من الإضلال والإفساد والسيطرة المطلقة على مقدرات الأمة وخياراتها.

 

شهيد القرآن.. أنموذج الاستنهاض والبصيرة

وانتقل السيد القائد للحديث عن تجربة شهيد القرآن “السيد حسين بدرالدين الحوثي”، موضحًا أنّه تحرك بـ”أعلى مستوى يستطيعه”، وعمل بجد على استنهاض الأمة من حالة الركود، وأبرز أنّ أهم معلم من معالم شخصيته هو “البصيرة والوعي العالي جدًا”، وهي مكتسبات جاءت نتاجًا مباشرًا للارتباط الوثيق بالقرآن الكريم.

واعتبر أنّ هذا الوعي هو “أهم ما تحتاجه الأمة اليوم” في مواجهة التضليل الذي يمارسه الأعداء كأداة رئيسية للسيطرة على الشعوب وتدجينها، محدّدًا هوية الطرف المقابل بوضوح، واصفًا إياها بـ”جبهة الشر من اليهود والنصارى وأعوانهم”.

وأكّد أنّ هذه الجبهة قائمة على “الضلال والإفساد والظلم والطغيان”. ولفت إلى أن هذه الجبهة تملك نشاطاً هائلاً للتضليل عبر ترسانة من وسائل الإعلام وأدوات التثقيف بأساليب وعناوين متنوعة.

وأطلق السيد القائد تحذيرًا شديد اللهجة بـ”أقوى حملة إضلال وتزييف للحقائق في تاريخ البشرية”، حيث يتم لبس الحق بالباطل بأساليب لم تشهدها العصور السابقة، مؤكّدًا أنّ الأمة بحاجة ماسة إلى “نور الله والبصيرة العالية” لمواجهة هذه الحملات الظلامية التي تهدف إلى تغييب الوعي الجمعي.

 

واقع الأمة: تيه الفراغ وهشاشة البدائل

وفي توصيفه لواقع الأمة الإسلامية اليوم، لفت السيد القائد إلى أنّ حجم تأثير الإضلال بادي للعيان من خلال “حالة التيه” التي يعيشها معظم أبناء الأمة، وعجزهم عن اتخاذ مواقف جادة تجاه تحركات الأعداء.

وأرجع هذه الحالة إلى “الفراغ وعدم التحصن بالوعي” نتيجة الابتعاد عن القرآن الكريم، مشدّدًا على أنّ كل البدائل الأخرى عن القرآن هي “بدائل هشّة وضعيفة”، لا تستطيع صناعة رؤية كافية للأمة ولا تقديم النور الضروري الذي يحميها من الضياع في دهاليز السياسات والمشاريع المعادية.

وفي هذا المحور من كلمة السيد القائد شدّدعلى أنّ الصراع بين الحق والباطل سنة تاريخية وامتداد لصراع الأنبياء مع الطغاة، وأن التصدي للطغيان واجب ديني للحفاظ على نقاء الانتماء الإسلامي وحرية الإنسان، واضعًا سلاح الوعي والبصيرة المستمدة من القرآن هي السلاح الوحيد الفعال ضد حملات التضليل المعاصرة.

كما قام السيد القائد بتشخيص العدو، المتمثل بـ “جبهة الشر” الصهيونية تستخدم الإضلال الإعلامي والثقافي كأداة احتلال ناعم، مشدّدًا على أنّ الحل القرآني، هو الأساس للانتصار، ولا بديل عن القرآن الكريم في رسم الرؤية الاستراتيجية للأمة؛ فكل المشاريع الأخرى أثبتت هشاشتها.