القرآن الكريم

الدرس السادس عشر من البرنامج الرمضاني.

  • استلهام الدروس من سيرة الامام علي (ع)
  • الامام علي شاهد لرسول الله صلى الله عليه واله
  • الدين الكامل منهجيه تربوية للإنسان

أصبحت هذه الأمة ذليلة, أصبحت مستضعفة, أصبحت مقهورة؛ لأنها لم تفكر تفكير قرين القرآن ((أفي سلامة من ديني؟))، وحينها عندما تنطلق لتبحث عن السلامة لنفسك وأنت لا تفكر في أن يسلم لك دينك فلن تسلم نفسك، لن يسلم عِرْضك، لن تسلم كرامتك، وفي الأخير لن تسلم أنت في الآخرة يوم تلقى الله، لن تسلم سوء الحساب، لن تسلم نار جهنم.

إنها الرؤية الحكيمة, ليست رؤية ذلك الذي يفكر في ممتلكاته البسيطة، يفكر في نفسه هو فيرى نفسه أغلى من الدين بكله، يرى نفسه أغلى من نفس الرسول، أغلى من نفس علي، أغلى من نفس الحسن، أغلى من نفس الحسين.

متى يمكن أن يكون لإنسان يفكر هكذا تفكير قيمة عند الله؟ متى يمكن أن يُمنح إنسان على هذا النحو عزة من الله؟ لا، إنه بهذا التفكير يُعتبر تجسيداً صادقاً لمن يَعْشُ عن ذكر الرحمن {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} (الزخرف:36).

كم هو الفارق بين أن تكون في الاتجاه الذي يمنحك الله فيه العزة، يمنحك الله فيه القوة, التأييد، يمنحك الله فيه سلامة آخرتك وإن لم تسلم دنياك؟ كم هو الفارق بين واقع شخص على هذا النحو وبين شخص يُقَيِّض لـه الله شيطاناً يصبح قريناً لـه {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} (الزخرف:37) وواقع إنسان يُسلط الله عليه شرار عباده، يسلط الله عليه من يسومه سوء العذاب في دنياه, وفي يوم القيامة سوء الحساب, وسوء العذاب في نار جهنم؟ نعوذ بالله من نار جهنم.

إن عليا (صلوات الله عليه) – وإن وجدناه [سَقَطَ] بل نقول صعد إلى ربه شهيداً – إنه ما يزال حياً كما أن هذا القرآن الذي قرنه به الرسول حياً، حياً فيما يعطيه من هدى, من نور، من دروس، من عظة، من عبر، حياً فيما يعطيه الأحرار، فيما يعطيه المجاهدين، فيما يعطيه الصادقين من دروس تجعلهم يذوبون في هذا الدين.

أنت عندما تنظر إلى نفسك، أنا عندما أنظر إلى نفسي, وأنظر أيضاً إلى علي (صلوات الله عليه) فأكون حريصاً على سلامة نفسي وإن كان ثمن ذلك أن أُلقي بعلي، وبدين علي، وبمنهج علي، وبتوجيهات علي عرض الحائط، هذا يعتبر من أسوء الانحطاط الذي يمر به الإنسان.

هل يمكن أن أرى نفسي، أو أي واحد منا يرى نفسه أغلى من نفس علي (صلوات الله عليه)؟؟. هل يمكن لأحدٍ منا أن يرى نفسه، أن يرى دمه أغلى من دم علي (صلوات الله عليه)؟. لا يمكن لأحدٍ أن يقول لنفسه هكذا وإن كان واقع الكثير منا هكذا.

فعلي (صلوات الله عليه) عندما وجدناه كان يستقبل ذلك الحدث الذي يتوقعه: أن يخضب دم رأسه لحيته ويسقط شهيداً, لم يكن من‍زعجاً من ذلك، كان الذي يزعجه هو ما يرى الأمة فيه وهي تسير باتجاه ذات الشمال، وهي تبتعد حيناً بعد حين, ومسافات طويلة تبتعد عن كتاب الله, وعن منهج رسوله (صلوات الله عليه وعلى آله).

كان يتألم عندما يرى أن تلك الجهود التي بذلها الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) وبذلها هو تحت لوائه, في مكة, وفي المدينة, في معارك الإسلام, كلها ضاعت هباء، وصارت هباء منثوراً تحت أقدام، وعلى أيدي من لم يكونوا يجرؤون في يوم من الأيام أن ين‍زلوا إلى ساحات الوغى لمواجهة أعداء الله.

لقد كان الإمام علي (صلوات الله عليه) يخوض غمار الموت, ويقتحم الصفوف, في بدر, في أحد, في كل معارك الإسلام, بينما كان أولئك يجلسون جانباً, وَلَيْتَهم جلسوا جانباً من بعد ممات الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) لا. كانوا في أثناء احتدام مواجهة الكفر يجلسون جانباً، وعنـدما نـزل (صلوات الله عليه وعلى آله) إلى قبره, بل من قبل وهو ما يزال على فراش الموت بدأوا يتحركون وين‍زلون إلى ساحة هذه الأمة؛ لينحرفوا بها عن نهج محمد (صلوات الله عليه وعلى آله) الذي من أجله كان يقتحم ساحات الوغى، يقتحم الصفوف, وهو يواجه المشركين ويواجه الرومان, ويواجه اليهود, ويواجه كل أصناف أعداء الإسلام، برزوا بعد!.

هناك عبارة قالها أحد العلماء بالنسبة لعلي (صلوات الله عليه): [لو كانت الأمور تُقاس بمقاييس الدنيا لما رأينا أحداً يُعدُّ مظلوماً أكثر مما حصل على علي من الظلم] يجاهد، يعاني، يتعب في سبيل دين هو يعلم أنه دين عظيم، وفي خير هذه الأمة، وفي مصلحة هذه الأمة، وفي عزة هذه الأمة, ثم يرى أيادي تعبث بهذا الدين.

يتجه إلى تلك الأمة نفسها التي من أجلها جاهد، من أجلها عانى، من أجل عزتها تعب, يحاول أن يحركها قبل أن يَعْظُم الخَطْب، في مرحلة كان يمكن أن يتلافى فيها ما حصل لم يحصل له استجابة، حرّك الزهراء (صلوات الله عليها)، حرك الجانب العاطفي، ماذا عمل أولئك عندما خطبت فيهم الزهراء؟. بكوا وقالوا: إن خطوتها ما تَخْرُم خطوة رسول الله، تذكروا رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) في خطوة فاطمة, وخطى فاطمة, ومنطق فاطمة, ولم يتذكروا رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) فيما ذكرتهم به فاطمة!.

بكوا لغياب الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) ولم يبكوا لغياب دينه، لم يبكوا لغياب الدين الذي كان الرسول مستعداً من أجله أن يُقتل، وواجه المخاطر الشديدة من أجل هذا الدين.

فكيف لا يتألم الإمام علي (عليه السلام), وكيف لا يرى نفسه مظلوماً وهو يرى الأمور تسير على هذا النحو الذي يضيع كل الجهود التي بذلها الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله), وكل الجهود التي بذلها هو وبذلها عظماء آخرون من خيار صحابة رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله).

وعندما نرجع إلى علي (صلوات الله عليه) نراه – كما أسلفنا – يُلْهِمُ من خلال ما قدّم، من خلال ما تكلم، يُلْهِم الناس كيف تكون المواقف الصحيحة, كيف تكون التوجهات التي فيها نجاة الناس. عندما نرجع إلى فضائل الإمام علي (صلوات الله عليه) نجد أن الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) يثني عليه كثيراً.

يجب أن نفهم من كل هذا، من كل ما قدمه الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله)، من فضائل لعلي، من كل ما ذكره من فضائل لعلي، من كل ما وجدناه من مواقف عظيمة لعلي أن تفكير النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) وتفكير علي، وما يريده النبي (صلوات الله عليه وعلى آله)، وما يريده الإمام علي هو أن نأخذ من ذلك العبرة، نأخذ من ذلك الوعي، نأخذ من ذلك ما يجعلنا مستبصرين في كل شؤون الحياة، في كل المواقف التي يطلب منا أن نقفها في هذه الحياة، أن نعرف المقاييس الصحيحة التي من خلالها نستطيع أن نقيّم الأشخاص والمواقف والاتجاهات في هذه الحياة؛ لهذا قال عنه (صلوات الله عليه وعلى آله): ((علي مع الحق، والحق مع علي)).

ونحن شيعة علي يجب أن نرجع إلى دراسة تاريخ علي، إلى دراسة سيرة علي (صلوات الله عليه)؛ لنعرف كيف نقتدي به؟ كيف نسير على خطاه؟ كيف نتمسك بنهجه؟ كيف نسلك السبيل الذي سلكه؟ كيف ننظر إلى الأمور كنظرته؛ لأنه بالتأكيد قرين القرآن.

ثم نأتِي إلى موضوع آخر هو: كيف كان استقبال علي (صلوات الله عليه) للشهادة؟.

قد تحدثنا عن ما الذي أوصل الإمام علياً (صلوات الله عليه) إلى أن نراه يخرُّ صريعاً في وسط أمة مسلمة، وداخل بيت من بيوت الله، كيف كان استقباله للشهادة هو؟. لنعرف أن الإمام علياً (صلوات الله عليه) كان يرى أن مقام الشهادة مقام عظيم، وأنها أمْنِيَة كان يطلبها، أنها أمنية كان يسأل رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) عنها هل سيحصل عليها؟، ومتى سيحصل عليها؟.

استقبلها الإمام علي (عليه السلام) استقبال من يعرف كرامة الشهيد, عظمة الشهيد. فعندما خرَّ صريعاً بعد تلك الضربة قال (صلوات الله عليه): ((فُزْتُ ورب الكعبة)).