القرآن الكريم

البرنامج اليومي (حالة السخرية هي مما يبعد الإنسان عن الاهتداء).

برنامج رجال الله.

السيد حسين بدر الدين الحوثي.

معرفة الله وعده ووعيده الدرس الحادي عشر صـ 7 ــ 8.

ماذا يمكن أن يحصل من وراء الذنوب هنا في الدنيا والتقصير هنا في الدنيا؟ يوم القيامة سيكون يوم ندامة وحسرة للمقصرين للذين أسرفوا على أنفسهم، ولم ينيبوا إلى الله، ولم يسلموا أنفسهم له، ولم يتبعوا أحسن ما أنزل إليهم.

يبدأ يتحدث ماذا يمكن أن يحصل بعد أن قال بالنسبة للعذاب: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ}، {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} يذكر بحالة الندم؛ ولأن الندم شيء نحن نعرفه في الدنيا. أليس الله يذكرنا بعذاب جهنم؟ ألم يجعل عذاب جهنم ناراً، ناراً نعرفها؟. ألسنا نعرف في الدنيا النار؟.لو أن عذاب جهنم كان عذاباً آخر نحن لا نعرف ما هو ربما ما كان يفيد التذكير لنا به، لكن جعل جهنم عذاباً نحن نعرف جنسه.. ناراً.

فعندما يخوفنا بالنار نحن نعرف في الدنيا هذه النار.. أليس كذلك؟. ونحن نعرف أنه لو لم تكن جهنم إلا كهذه النار لكانت كفاية وفوق الكفاية، ولرحمة الله الواسعة بعباده هكذا ينطلق: أن يكون ما يخوفهم به مما جنسه معروف لديهم في الدنيا، خوفنا بالعذاب ثم خوفنا من حالات الندم والحسرة.. أليس الإنسان في حياته تحصل له مواقف يتندم؟ يتحسر؟ هل ترى نفسك أنت في أثناء الندم وأثناء التحسر كيف تكون؟.

يذكرنا أيضاً بأنه: سيحصل هناك ندم شديد، وحسرة شديدة، والتحسر أو الحسرة والندم هي في حد ذاتها عذاب، عذاب نفسي شديد، بل أصبح العذاب النفسي – كما يقولون – من أكثر ما يستخدم في التعذيب في السجون، التعذيب النفسي غير التعذيب الجسدي، تعذيب نفسيتك بأي طريقة.

{أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ}(الزمر: من الآية56) أي: ومن قبل أن تصل إلى {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ}(الزمر: من الآية56) أليس هذا تعبيراً عن التحسر عندما يرى نفسه إلى أين وصل به الحال أصبح من أهل جهنم، وجهنم أمامه يراها، هذا الشيء المخيف: أن جهنم تبرز يوم القيامة أمام الناس ويسمعون تغيظها ويسمعون زفيرها، وهو منتظر أن يساق إلى جهنم هو في حالة من العذاب، عذاب التحسر {يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ} على ما قصرت {فِي جَنْبِ اللَّهِ} في طاعته، لاحظوا هنا لم يقولوا: [في أوامر الله] أنا قصرت فيما له علاقة بالله، فيما كان يمكن أن أحصل من خلاله على رضى الله، وما كان يمكن أن يقي نفسي من هذه النار التي أشاهدها.

لم يقولوا في يوم القيامة: ممن يعمل في هذه الدنيا على أن يتعامل مع الله فيما يتعلق بالواجب فقط، والواجب من منظار ضيق، الذي لا مناص من القيام به على أقل مستوى.

يود أنه تمكن وهو في الدنيا أن يعمل أي عمل فيه رضى لله، لم يعد لديهم مقاصاة قصي [ما بلاّ سأعمل فقط تلك الأوامر الخاصة إذا لم يعد هناك مجال].

رأى شدة الحسرة والندامة التي هو فيها، ورأى العذاب عذاب جهنم أمامه.. هل الإنسان هناك يظهر بمظهر من يكون حدياً جداً، وقصي في أعمال الطاعات؟ لا. [ليت أني عملت كل ما يمكن أن أعمله في جنب الله وفي طاعته وفي رضاه لأسلم من هذه].

هذه الحالة هي التي تحصل عند كثير من الناس هنا في الدنيا عند بعض من العلماء, عند بعض من المتعلمين, عند بعض من المتدينين يبحث عن الحد الأدنى من الواجب بعد أن يقولون قد أصبح واجباً، ويذهب ليسأل هذا: هل فعلاً هذا قد وجب.

إذهب اسأل عالم من الناس عن الإنفاق في سبيل الله سيقول لك: [هذه آيات منسوخة بآيات الزكاة].. أليس كذلك؟ الآن اذهب اسأل. لكن انظر ماذا يقول الناس هنا المتحسرون والمتندمون، تنَدّم أنه لم يعمل كل ما كان بإمكانه أن يعمل مما فيه لله رضى في هذه الدنيا، واجب مندوب مستحب كيف ما كان، لا يقاصي؛ لأن جهنم فعلاً, إن الإنسان يفكر في أن يقي نفسه منها، هي مما تفكر أن تقي نفسك بأي شيء، ليس شيئاً بسيطاً وهيناً تكون مقاصي جداً فيما يقيك منها.. [هذا قدو يلزمنا يا سيدي فلان يا سيدنا فلان، قدو يلزم، قدو واجب علينا، أو عاد معنا مخرج أو معنا كذا]؟.

أنت انظر أن أمامك جهنم.. أوليست جهنم بالشكل الذي يجعلك تنطلق أنت لتعمل كلما يمكن أن تعمله مما فيه نجاة نفسك منها؟. [ما واحد يأتي يفتح الشنطة ويخرج فلوس إذا قدو مشاجر ويريدوا يسجنوه؟] يعطي رشوة لهذا ورشوة لهذا.. هل هو يقاصي؟ لا يعد يقاصي.. هات عشرة ألف إذا بدك وهم با يخرجوك.. قال: تفضلوا. وفي البيت عندما يقولوا – وهو بيشتري له مثلاً بمائتين ريال لحمة – لماذا لا تزد بمائتين سيقول: ما هو باربع مائة كل يوم.. هذا كثير!. ما هو قد يقاصي هنا؟ لكن في حالة السجن: عشرة ألف وبا يخرجوك، قال تفضلوا.. ما هو رأى بأنها سهلة؟ لن يقول: أبداً بدك بتسعة ألف وخمس مائة والاّ, لا. هل أحد سيراجل هكذا؟ تسعة آلاف وخمس ما أنا مزيد ريال واحد.. قد يقول أمانة ما رضيوا إلا باثنعشر ألف.. ستقول: تفضل, ما أحد بيقاصي.

جهنم ليست مما تقاصي، فالإنسان لا ينطلق في وقاية نفسه من جهنم من منطلق المقاصاة. ليكن سؤالك للعلماء: هل في هذا لله رضى؟ هذا هو الصحيح. هل إذا أنفقت في مجال كذا هل فيه لله رضى؟ من الذي سيقول لك: لا؟. هذا هو السؤال الصحيح.. [هل قدو يلزمني؟ هل قدو واجب عليّ.. هل… هل… إلى آخره؟.

تختلف أنظار العلماء في هذه، والذي يقول لك: لا. قد يتحدث معك من وجهة نظره، قد لا ينفعك يوم القيامة هو. قد يكون الأمر ليس كما قال ذلك الشخص، تكون في الواقع ملزماً، إنما أنت الذي تبحث عن مخارج وحيل. انطلق في سؤالك للعلماء – إذا كنت ترى بأن جهنم شديدة، وأنها تستدعي منك أن تبحث عن ما فيه نجاة لنفسك – فقل: هل هذا العمل فيه وقاية من النار؟ هل هذا العمل فيه لله رضى؟ وستجد الجواب واحداً. وهذا هو الصحيح، سترى الإجابة واحدة.

{أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ}(الزمر:56) كنت في الدنيا من الساخرين، وما أكثر ما يسخر بعض الناس من أشياء كثيرة هي مما تقي الإنسان من عذاب الله ومن الحسرة والندامة يوم القيامة.

بل إن حالة السخرية هي مما يبعد الإنسان عن الاهتداء. قد يكون هناك من يسخر باجتماع كهذا؛ لأنه في نفسه في حالة شعور بسخرية هل هو سيأتي؟. لا.. يمشي: [اترك أبوهم] ما هكذا يقول؟ سخرية، الساخر لا يهتدي، الساخر يحول بين نفسه وبين مصادر الهداية، وبين مجالس الهداية أليس هنا يتحسر، ويتندم. {وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} كنت في الدنيا ممن يسخرون.

عرض عدة حالات من حالات الندم والتحسر {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ}، {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}(الزمر:57) ليت أن الله هداني، {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي} حالة تمني، ليت أن الله هداني. جوّب عليه هناك: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا}(الزمر: من الآية59) ليؤكد الله لعباده بأنه لا يأتي من جانبه تقصير أبداً، بل ولا يخاطبهم بالحد الأدنى، يكرر ويعمل على ترسيخ هدايته، يوضح، يبين، يكرر، يؤكد، يقسم. وليس فقط يحدثنا بالحد الأدنى، أو بالشيء الذي يكفي فقط.

{لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.. لماذا لم يقل: [لكنت من المؤمنين]؟ رأى أهوالاً شديدة قد يكون في الدنيا كان مؤمناً بها، مؤمناً بجهنم.. أليس الناس مؤمنين بهذه؟. لكن هل هم متقون؟ قليل. ليتني اهتديت وأنا في الدنيا، وليت أن الله هداني، فانطلقت لوقاية نفسي وأنا في الدنيا مِن أن أصل إلى هذه الحالة السيئة. أي: هـذه هي محطة تأمل لنا جميعاً أن يقول ذلك الإنسـان – ونعوذ بالله من أن نكون ممن يقولها في يوم القيامة – {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} أليس في ذلك المقام وهو يتندم يفكر فيما كان يمكن أن يصنع له وقاية من جهنم ومن تلك الحالة السيئة حالة الندم, أو هو قال: [لكنت من المؤمنين]؟. قد ربما كان من المؤمنين بمعنى المصدقين باليوم الآخر، وأن هناك جنة ونار، لكن لم يصنع في الدنيا ما يقيه منها، وما أكثر هذه الحالة لدينا، ولهذا يخاطبنا الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بمثل عبارة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ}(آل عمران: من الآية102) أليس يخاطبك بأنك مؤمن. أنت مؤمن لكن اتق الله، يعني: أنت آمنت فانطلق في أن تصنع لنفسك الوقاية مما توعد الله به المقصرين, مما توعد الله به المجرمين.