القرآن الكريم

الفتنة التي قد يقع فيها المتنصلين عن المسؤولية والمتهربين من الاستجابة لله ورسوله.

بصائر من نور القيادة.

السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي.

المحاضرة الثالثة والعشرون من محاضرات شهر رمضان لعام 1441هـ.

تقاعس الإنسان وتخاذله سيحمله أوزاراً خطيرة؛ لأنه هو من جانب: تخاذل، وتنصل عن المسؤولية، وتفريط وعصيان، وهو من جانبٍ آخر: إسهام في كل ما يترتب على ذلك من نتائج لصالح أعداء الأمة، أو نتائج سلبية في الواقع، وهذه الآثار والنتائج لموقف الإنسان في تخاذله، في عدم استجابته العملية، هي من أخطر الأشياء على الإنسان؛ لأنها تجعل من هذا الذنب ذنباً عظيماً، وتجعل منه وزراً كبيراً، فليست حدود ذنبك أنك قعدت، تخاذلت، لم تستجب عملياً لهذه الدعوة من الله -سبحانه وتعالى- فيما فيه حياة الأمة، قوة الأمة، عزة الأمة، منعة الأمة، صلاح واقع الأمة، انتظام أمر الأمة، أنت ذنبك يتعدى مسألة القعود إلى النتائج، يمثِّل إسهاماً لصالح مَنْ؟ لصالح العدو، ويمثِّل إسهاماً في إماتة الأمة، إضعافها وتحويل واقعها إلى واقعٍ سلبيٍ متردٍ منهارٍ، ويتحول ذلك الواقع إلى واقع يخدم أعداء الأمة بكل ما تعنيه الكلمة، ويؤثر على الأمة، حينها تكون نتائج هذا العمل محسوبةً عليك وزراً عظيماً، وذنباً فظيعاً يحاسبك الله عليه يوم القيامة، بكل ما يترتب عليه من تداعيات ونتائج خطيرة وسلبية.

ثم أتى التحذير من الفتنة، وأنَّ هذا النوع من الناس المتنصلين عن المسؤولية، المتهربين من الاستجابة لما فيه حياة الأمة، لا بدَّ لهم من هذه الفتنة، والفتنة- كما أشرنا في حديثنا بالأمس- لها أشكال كثيرة، وإنما أعدنا التذكير؛ لأهمية هذه المسألة، وللربط ما بينها وبين ما سيأتي في الآية القرآنية التي نتحدث عنها في درس اليوم.

الفتنة لها أشكال متعددة، منها: الزيغ، أن يخذلك الله، وأن يزيغ قلبك نتيجةً لهذا الخذلان والعياذ بالله، فربما تتغير فكرتك بالكامل، ربما تتحول إلى إنسان مؤيدٍ للباطل، ربما تتحول إلى إنسان معارض للحق، وبالخذلان والزيغ ترى في الحق باطلاً، وفي الباطل حقاً، تميل إلى أعداء الأمة، تنظر نظرةً سلبيةً ومعقدة تجاه الأمة، وتجاه الذين آمنوا، تجاه الذين يتحركون في إطار الاستجابة العملية لله -سبحانه وتعالى- لما فيه حياة الأمة، بل ترى في جهودهم واهتماماتهم وأعمالهم، ترى فيها أعمالاً غير إيجابية، وتنظر إليها بسلبية شديدة، هذا من الفتنة، من الخذلان.

قد تكون الفتنة في الواقع العملي: أن تغرق في مشاكل شخصية وهامشية تعطيها جهدك، واهتمامك، وتوجهك، في الوقت الذي انصرفت فيه كلياً معرضاً ومتجاهلاً للمسؤوليات الكبرى، وابتعدت عن الاستجابة العملية لما فيه حياة الأمة، فاتجهت بدافع العقد الشخصية، وبدافع النظرة الأنانية الضيِّقة لاهتمامات أخرى، تثير فيها إشكالات، وتصنع فيها جواً سلبياً، وتساهم فيها سلباً بدورٍ تخريبي في داخل الأمة، وهذه من الفتنة.