القرآن الكريم

الدرس العاشر من البرنامج الرمضاني (القرب من الله هو النعمة العظيمة والدرجة العالية)

(القرب من الله هو النعمة العظيمة والدرجة العالية)

آيات من سورة الواقعة صـ 9 ـ 12.

الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي.

{أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} المقربون عند الله سبحانه وتعالى, والقرب من الله هو النعمة العظيمة, هو الدرجة العالية, هو المقام الذي يجب على الإنسان أن يسعى من أجل أن يحصل على نسبة منه, نسبة ولو نسبة بسيطة من القرب من الله سبحانه وتعالى.

لأننا نجد أنفسنا في الدنيا قد يكون لدى الكثير منا تفكير أنه كيف يكون مقرباً من فلان, كيف يكون مقرباً من المسؤول الفلاني, كيف يكون مقرباً من الرئيس, كيف يكون مقرباً من الملك, كيف يكون مقرباً من الوزير, محاولات من هذا النوع.

ترى هذا القرب في الأخير قد لا ينفعك بشيء, قد يكون وبالاً عليك, لكن القرب الذي هو قرب له فائدته العظيمة, ويعتبر شرفاً عظيماً, شرفاً عظيماً هو القرب من الله سبحانه وتعالى؛ لأنه من تفكر هنا في الدنيا أن تكون قريباً منهم, أن تكون قريباً منهم؛ لأنه في مشاعرك أن هذا الشخص قدير, عنده قدرة, عنده إمكانيات كبيرة, فأنت تلحظ هنا فيه جانب إمكانياته, وقدراته, وممتلكاته, أو تلحظ فيه أنه صاحب سلطة.

كلما تفكر فيه في هذا الشخص ليس هناك مقارنة بينه وبين ملك الله, وبين قدرة الله, وبين سلطان الله, وبين عظمة الله, وبين جلال الله, وبين علو الله سبحانه وتعالى إطلاقاً ما هناك مقارنة, إذا أنت تحس بأنك تحس بشرف؛ لأنك مقرب من فلان, تحس برفعة؛ لأنك مقرب من فلان في الدنيا, فالشرف العظيم, والرفعة العظيمة الحقيقية هي عندما تحظى بالقرب من الله سبحانه وتعالى؛ لأنه أعلى من كل من تفكر في القرب منهم, هو أعظم من كل من تفكر أن تكون قريباً منه.

هذا شيء يجب أن الإنسان يفكر فيه؛ لأنه في الدنيا تحصل هذه, من عند الكبار إلى عند الفقير, كل واحد يريد يتقرب عند ذلك, الضابط يريد يتقرب للوزير, والوزير يريد يتقرب للرئيس, والرئيس يريد يتقرب, ما يزال هناك تقربات وتنتهي إلى البيت الأبيض, تقربات, كل واحد يحاول يتقرب, يتقرب, يتقرب, الفقير ذلك الإنسان العادي يحاول يتقرب من ذلك التاجر, والتاجر تراه يحاول يتقرب من ذلك المسؤول, وذلك الضابط, وذلك. فالناس كلهم في الدنيا كل يحاول أن يكون قريباً من فلان, لكن هنا قارن أن أكون قريباً من فلان وأدخل في باطل هذه غلطة كبيرة.

ما هناك مانع أن أكون قريباً من فلان, أي أن يراني فلان قريباً منه. مع أنه في مقامات الأعمال الصالحة, في الأعمال الصالحة نفسها, هذا المجال غير مسموح به, تعتبر مرائياً بأعمالك, لو أنني أنطلق في أعمال صالحة من أجل ماذا؟ أن يقربني فلان منه! هذا رياء, ما يقبل هذا, ما يقبل إطلاقاً.

لأن فكرة التقرب في الدنيا هي لاغية أساساً من أصلها؛ لأنه يا إما أن يكون تقرباً بباطل, تقرب من إنسان على باطل, هذه كلها وبال عليك, أو أن تكون أنت في اتجاه صحيح, أنت ومن تفكر أن تتقرب منه، فعند ما تنطلق في الأعمال الصالحة لتتقرب منه فأنت مرائي, أليست القضية مصفَّر عليها أساساً في الدنيا؟ الموضوع هذا بكله مصفَّر عليه في الدنيا.

أن يكون الإنسان هنا في الدنيا يحاول أن يتقرب من الآخرين قد يكون هناك عدة عوامل تدفعك إلى التفكير في هذا: فيما إذا أنت إنسان عندك مطامع مادية, عندك طموحات مادية, وأنت تفكر في الحصول على المال, أن تكسب مصالح بأي طريقة, فأنت تتقرب إلى الجهة الفلانية, أو الشخص الفلاني, أنت ترى أن من وراء التقرب إليه ستحصل على أموال.

أو أنت صاحب أموال أنت ترى بأنه من خلال التقرب إلى الضابط الفلاني, أو المسؤول الفلاني, أو الشيخ الفلاني يسلَم حقنا, وما يجي علينا شيء, هذه واحدة, وهي ثاني عامل من العوامل.

أو تكون شخص لك مواقف من آخرين, وتشدك حماقتك بأن ماذا؟ أن أحاول أن أتشفى من الآخرين بأن أتقرب من آخرين, من كبار, أراهم أمامي كباراً, من أجل في الوسط أستطيع أن أوجد نكاية بالأشخاص الذين أنا حاقد عليهم, أو مختلف معهم.

هذه كلها لا تعتبر مبررات إطلاقاً, لا تعتبر مبررات أبداً بأن تتقرب من أهل باطل, أو من إنسان مجرم, سواء من أجل أن تحصل على مال, أو من أجل أن يسلم لك مالك, أو من أجل أن تحصل بواسطته على ماذا؟ على أن تتشفى من غرماء معك.

اصطلح أنت مع غرمائك مباشرة, وشريعة الله واضحة في كل ما تختلفوا فيه, {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}(الشورى10) والحل قائم في شرع الله بدون ما تحتاج تتقرب عند فلان, ولا تحتاج تدخل في باطل, ولا تحتاج تقترف باطل. فيرتكب الإنسان عدة أغلاط: تتقرب إلى إنسان مجرم, هذه جريمة, ثم أظلم آخرين؛ لأني أختلف معهم, جريمة ثانية.

أنا مختلف معك كيفما كان اختلافنا ليس اختلافنا بالشكل الذي لا يوجد له حل في الشريعة الإسلامية, أتصالح معك, نرجع إلى حكم الله فيما اختلفنا فيه, نرجع إلى تفاهم, إلى حوار؛ لنعرف من هو الظالم منا, من هو المظلوم, من هو المخطئ, من هو المصيب, يكون هناك من يحسم القضية بيننا وانتهى الموضوع, لا تحتاج أنت أن تبحث لك عن ظهر, ولا أحتاج أنا أن أبحث لي عن ظهر – كما يقولون – .

هذا الذي قد يدفع الإنسان إلى أن يتقرب, أو يكون عنده طموحات أن يحصل على وظيفة أكثر, يحصل على درجة أعلى, يحصل على رتبة أعلى, فيتقرب إلى أشخاص سيئين, أشخاص مجرمين, نفس الشيء, هذا ليس مبرراً إطلاقاً.

القرب الذي يجب أن تبحث عنه هو القرب من الله سبحانه وتعالى.

في ُسلَّم الباطل, ولأغراض باطلة, ولأهداف باطلة, يعتبر جريمة كله, وفي الإتجاه الآخر, اتجاه الحق, نفس الشيء, يعتبر جريمة؛ لأنه كله سيطلع رياء, أحاول أن أكون مقرباً من فلان بأعمال أتحرك فيها هي أعمال صالحة, أنت هنا تصفِّر على أعمالك, أنت هنا تجعل أعمالك لا تقبل, أنت هنا تبتعد عن الله.

مجال واحد, اتجاه واحد الذي يجب على الناس أن يفكروا كيف يكونون قريبين منه هو الله, ما هناك غيره, لا مُحقّ ولا مبطل, بالأعمال الصالحة أريد أن أكون مقرباً من إنسان مهما كان مقامه, وأنا مقصدي هكذا: أن أكون مقرباً منه بهذه الأعمال الصالحة, الله يقول في القرآن الكريم, يرد على مجاهدين عندما سأل أحد المجاهدين أن الإنسان قد يخرج يجاهد ويحب أن يُرى مقامُه, ويقولون فلان! ما هنا شعور من هذا النوع؟ يكون مقرباً من الآخرين, ويرونه يعظمونه, نزلت الآية: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}(الكهف110).

أقفل المجال, ليس هناك إلا جهة واحدة هي التي تسعى لأن تكون مقرباً منها وهو الله سبحانه وتعالى, القرب من الله, كل عمل صالح هو يقربك من الله, من رضوانه, من نعيمه, لكن أن تكون من النوعية هذه, من السباقين, أولئك هم المقربون بما تعنيه الكلمة, كأنه يقول عندما يقول: {أُولئِكَ} هم, هم المقربون حقيقة, هم المقربون بما تعنيه كلمة مقرب, وإلا فرحمته واسعة, أصحاب الميمنة, الناس المؤمنين الطيبين, هم لهم قرب من الله, ويدخلهم جنته ونعيمه الواسع, لكن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً.

ولأن القضية – كما أسلفنا سابقاً – في مسألة السبق هي مسألة وعي, مسألة فهم, مسألة استشعار بتقوى الله, يكون عندك مشاعر يَقِضَة, إيمان قوي بالله, حرص على رضوان الله.

لماذا أصبحت قضية السبق مهمة؟ لأن العادة أن من ينطلقون في فترة من الفترات, في عمل معين, كثيراً ما يكون هذا العمل من النوع الذي الناس ما يتجهون فيه, أو يكون المعارضون فيه كثير, أو يكون المشاغبون ضده كثير, أو الأعداء له كثير, أو المشاكل أمامه كثيرة.

فترى كثيراً حتى ممن هم مؤمنين يتجنبونه, يقولون: عسى ما قد هو ضروري, عسى ما قد هو لازم علينا, يمكن ما قد هو واجب علينا. السبَاقون يكونون هم من يتحملون صعوبة البداية, ثم من بعد يصبح كل شيء محسوباً لهم.

لاحظ كيف جعل الله فارقاً كبيراً بين من كانوا ينفقون ويجاهدون قبل فتح مكة, ويقاتلون في سبيل الله, وبعد فتح مكة {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً – أعظم درجة – مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}(الحديد10).

ما هذا أنفق وقاتل؟ وذاك أنفق وقاتل؟ لكن هنا أنت تنفق وتقاتل وأنت ترى هذا الإتجاه الذي أنت فيه, فيه آلاف, تقاتل مع ثمانية آلاف, مع اثنا عشر ألفاً, بينما كان الأول يقاتل مع مائتين, مع ثلاث مائة, مع عشرين شخصاً, مع ثلاثين, والمجتمع كله من حولك مجتمع معادي, أنت كنت تنفق في ظروف قاسية, في لحظات مهمة جداً.

الآن عندما تأتي تنفق مبلغاً سيأتي لك غنائم ربما أكثر مما أنفقت, تنفق وأنت قد معك اثنا عشر ألفاً تقاتل معهم, وتجمعون غنائم, أهل [هوازن] في يوم [حنين] سيأتي له أكثر مما أنفق, تكون النتائج مختلفة, هكذا السباقين هم من يواجهون عادة الظروف الصعبة في البداية, هم من ينصبُّ عليهم, ويتجه إليهم ماذا؟ الكلام المضاد, التّهم, المشاكل, العداوات, أشياء من هذه.

لكن أحياناً إذا عند الناس تفكير , تفكير يعني ممكن أن يكونوا سباقين, وبنسبة كبيرة, بسبقهم الجماعي يتفادون كثيراً من الإشكاليات, يتفادون كثيراً من المصائب, مثلاً أن تنطلق في عمل لوحدك بمفردك, قد تكون أنت أمام الآخرين, هذا شرف عظيم لك وفيه صعوبة, ما فيه صعوبة؟ لكن أن ينطلق مجتمع بكله بنفس الموقف يجعل الآخرين لا يعودوا يفكرون في شيء, ما يفكروا يعملون أي عمل ضدك, بل يفكرون ربما كيف يتأقلمون معك, كيف يكسبون ودك, أنت وهذا المجتمع, كيف يكسبون المجتمع بكله الذي أصبح يتحرك تحركاً معيناً.

لكن ربما لأنه هكذا, ما يتهيأ في الغالب أن يكون المجتمع ينطلق انطلاقة واحدة, وإلا فهو مطلوب من الكل روح المبادرة, روح السبق, فعادة ما يكون هناك سباقين, فـ{أولئك} هم كما قال الله: {أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}(الواقعة12).

{أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} هذه واحدة من النعم العظيمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم بعدما ذكر الجنة أن رضوانه هو أكبر نعيم, وحتى تعرف فعلاً أن الرضوان, أن المقام المعنوي سيكون لديك أعظم من النعم المادية, تجد أمثلة في الدنيا على هذا, قد تجد تاجراً عنده أموال كثيرة, عنده سيارات, عنده بيوت, عنده كل ما يشتهي, لكن يتمنى, ما يزال يحاول أن يكون مقرباً من رئيس الوزراء, يكون مقرباً من وزير خارجية, داخلية, يكون مقرباً من رئيس جمهورية, يكون مقرباً من رئيس مجلس شورى, مجلس نواب مثلاً, يحاول أيضاً أن يكون مقرباً من محافظ, يكون مقرباً من المدير.

ستراه وتلمس فيه أنت أنه ما يهناه ما عنده من نعيم مادي, ما يهناه مثل ماذا؟ ما قد حصل على المقام المعنوي, أن يكون مقرباً من فلان! بعد أن يحصل على هذا المقام فيصبح مقرباً مثلاً من الرئيس ستراه يعتبر كونه مقرباً من الرئيس عنده أغلى من تلك الأشياء كلها, يعتبرها حالة عنده أغلى من تلك الأشياء كلها, ومستعد أن يفديها ولو بأكثر ماله, وتبقى.

سيقدم تبرعات, يقدم مساعدات, يقدم كذا؛ لأجل يحافظ على قربه من الرئيس؛ لأن القرب المعنوي حتى تعرف بأنه نعيم, إنما فقط لأننا معرفتنا بالله قليلة, معرفتنا بالله ضعيفة, وإلا لوجد الإنسان بأنه أن يرى نفسه في عمل يقربه إلى الله سيجد أو سيلمس أن حالة القرب من الله هي أعظم نعيم يحصل عليه في الدنيا وفي الآخرة.

لكن هذا كمثال لنا في الدنيا, وستلمسه فعلاً, تتحرك في الدنيا سترى كيف يكون التاجر الفلاني الذي يمتلك الممتلكات الكثيرة وليس بحاجة الرئيس من أجل أنه سيعطيه حوالات, ليس بحاجة إليها, هو سيعطي هو, سيعطي [المؤتمر] مثلاً في انتخابات, سيعطي في كارثة طبيعية تحصل من أجل أن يحصل على القرب من الرئيس؛ لأنه يرى القرب من الرئيس شرفاً عظيماً, ويراها نعمة كبيرة عليه أغلى من كل ما لديه.

الله يقول بالنسبة للمؤمنين: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ} (التوبة72) وهو ما يعتبرونه أكبر نعيم, وأكبر جزاء, وأكبر شرف, وأكبر فضل. فيجمع الله سبحانه وتعالى لهم بين هذا القرب المعنوي, القرب منه, وبين النعيم العظيم عندما يقول: {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين.

[الله أكبر / الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل / اللعنة على اليهود / النصر للإسلام]