القرآن الكريم

متى ستشكر الله؟. إذا كنت دائم التذكر لنعمه العظيمة عليك.

برنامج رجال الله اليومي.

السيد حسين بدر الدين الحوثي.

معرفة الله نعم الله الدرس الرابع صـ11.

إذاً فالمعالجة أن نأتي نحن لنعالج الإشكالية في النفوس، وهو توجه القرآن الكريم، هو توجه إلى النفوس، لنعلم الناس كيف يزكون أنفسهم. لا أن نأت لنصب جامَّ غضبنا على الدنيا نفسها التي هي نعمة عظيمة من نعم الله، والتي للإنسان دور مهم فيها، في تحقيق عبادته لله سبحانه وتعالى، وشهادته بكمال إلهه، نتجه إلى النفوس ونذكر الناس كيف يتعاملون مع الدنيا، كيف يملكون الدنيا ولا تملكهم، كيف يكون همهم أن يعملوا أعمالاً صالحة من خلال ما يملكون، وعلى الرغم مما يملكون، وأن ينشدوا ذلك المقام الرفيع وهو أن يكونوا ضمن عباد الله الصالحين في هذه الدنيا وفي الآخرة.

أيضاً يقول الله سبحانه وتعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}(الأحقاف: من الآية15). ويصف أولياءه سبحانه وتعالى بأنهم يشكرون نعمته فيقول عن نبي الله إبراهيم (صلوات الله عليه): {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (النحل:121) وموسى (صلوات الله عليه) يتمثل شكره لتلك النعمة في قطع عهد على نفسه فيقول: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ}(القصص: من الآية17).

من منا يقول هذا؟ من منا عندما يرى أمواله التي تدر عليه مبالغ كبيرة، من منا يقول هذا عندما يرى نفسه أنه أصبح في موقف حق وفي عمل حق؟. وأنه وفق لأن يكون ممن ينطقون بالحق، ويعملون بالحق ممن يهدون بالحق وبه يعدلون فيقطع على نفسه عهداً أمام الله {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} هل تتصورون بأن موسى دخل من طرف مزرعته وفيها ما لا يقل قيمته عن نحو مليونين دولار من ثمار وممتلكات وآليات داخلها فقال: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ}؟ بل رأى نفسه أنه أصبح إنساناً استطاع أن يقول الحق، وأن يقف موقف الحق، وأن يقف في وجه الظالمين، فكانت هذه هي النعمة الكبرى.

هذه هي من أهم الأشياء التي تخلق لديك حصانة عن أن تنخدع بالآخرين الذين ينطلقون يثبطون الناس؛ لأنه من هو ذلك الذي يمكن أن يؤثر فيك وأنت ترى ما أنت عليه نعمة عظيمة، ستسخر منه أنت؛ لأنك ترى ما أنت فيه نعمة عظيمة؛ ولأنك تحس بأنك وفقت إلى نعمة عظيمة من خلال مقارنتك أنت للآخرين الذين يبذلون أموالهم وأيديهم وألسنتهم وأنفسهم في طريق الباطل وفي خدمة الباطل، وأنت تعرف أين سيكون مصيرهم، سترى أنت أنك في نعمة عظيمة فتصبح ممن يكون من المستحيل أن يؤثر عليه الآخرون بدعاية أو تضليل أو خداع أو ترغيب أو ترهيب، يصرفونه عما هـو فيه؛ لأنـه يرى مـا هـو فيه نعمة، نعمة دفعته إلى أن يقول: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ}.

ويذكر الله عن نبيه نوح أيضاً فيقول: {إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً}(الإسراء: من الآية3) هكذا تجد شكر النعم الإلهية في مجال نعمة الهداية والنعم المادية المتعددة شكرها وتذكرها من أهم صفات أولياء الله؛ لما لها من أثر كبير في ربطهم بوليهم، بالله سبحانه وتعالى.

نجد كذلك كيف يأمر الله عباده بشكر نعمته بصورة عامة فيقول: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (النحل:114) {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} (البقرة:152) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (البقرة:172) {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(العنكبوت: من الآية17). ومتى ستشكر الله؟. إذا كنت دائم التذكر لنعمه العظيمة عليك.

يأتي في المقابل خطورة الإساءة التي تحول النعم فتبدل النعم، تلك الإساءة العظيمة إلى الله {سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (البقرة:211).       ما هي هذه النعمة هنا؟. أليست هي نعمة هداية؟. من أبرز ما تعنيه هذه الآية – فيما نفهم – هو التركيز على نعمة الهداية إلى الإيمان، هداية الآيات البينات، فيما تتركه من أثر في النفوس فسماها نعماً. {كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} هي نعم عظيمة عليهم {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

فتذكر هنا أنك عندما ترى نفسك تسير على هدي الله، تهتدي بآيات الله، تلزم نفسك على أن تعمل وفق آيات الله التي تهديك إلى أن تعمل الأعمال الكثيرة التي فيها رضاه فأنت في نعمة عظيمة فإذا ما استبدلت بها غيرها خطوطاً أخرى، مواقف أخرى، أشياء أخرى هي مخالفة لهدي الله سبحانه وتعالى تسير بك على غير صراطه فاعلم بأنك قد عرضت نفسك لعقوبة عظيمة من الله، وأنك قد بدلت نعمة الله {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ}(إبراهيم:28-29) جهنم هي مصير الذين يتنكرون للنعم.

تأمل كيف أن الله يذكرنا بأنا متى ما وفقنا إلى عمل هو اهتداء بآياته، يذكرنا أن ننظر إلى ما نحن فيه أنها نعمة عظيمة، لا تعتبرها إشكالية، وتعتبرها حملاً ثقيلاً، انظر إلى ما وعد الله به من يعمل كعملك، انظر إلى ما وعد الله به أولياءه، انظر إلى ما وعد الله به المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة كيف تراه وكيف ستقتنع فعلاً، وترى بأنك في نعمة عظيمة فترعاها، لا تبدلها ولا تتبدل عنها، ولا تحاول أن يكون موقفك موقف من   يستبدل الله به غيره فتكون قد عرضت نفسك إلى أن يكون مقرك هو جهنم ونعوذ بالله من جهنم التي قال فيها: {وَبِئْسَ الْقَرَارُ} بئس المستقر.