القرآن الكريم

المؤمن المتقي حقاً هو من تهمه قضية وحدة الناس ومن يهمه قضية إعلاء كلمة الله

برنامج رجال الله.

الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي.

وسارعوا الى مغفرة من ربكم صـ 3 ـ 7.

أبرز صفات المتقين التي نريد اليوم أن نتحدث عنها أيضاً: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} هم ثلاث صفات مهمة جداً، لا تتوفر إلا فيمن تذوب شخصيته في الإسلام، تذوب نفسيته في العمل لله، بحيث نفسه هو ما يعطيها أهمية فوق كل شيء.

فمن أساء إليَّ بِزَلة تحصل منه من الإخوة المؤمنين كأنه اعتدى على جبار السموات والأرض، لم يعد يمكن يتسامح، ولم يعد يمكن انه يتقارب، ولم يعد يمكن أنه ولو يتقارب للعدل، يعتبرها وحده كبيرة، اعتداء على الإسلام، أو اعتداء على القرآن.

الشخص الذي يكون مهتم بنفسيته هو، تكون نفسه عنده هي كل شيء، أن يعتدى على الإسلام ما يحرك شعره فيه، أن تظلم الأمة كلها ما تهتز فيه شعره، أن يحصل عليه شيء ولو كلمة، تقوم الدنيا، ولا تقعد! ولا يكظم غيظاً، ولا يعفو، وبعضهم ما عاد يتقيد بالحق، على أقل تقدير أنه يريد الإنصاف، وكل مشاعره منشغلة بهذا الموضوع، وكل كلامه، وكل أعماله، وكل تفكيره يصبح منشغلاً في هذا الموضوع الذي ووجه به من قبل أخ مؤمن حصل منه زلة.

هو من رسالته أن يذوب في العمل لله، في الإسلام، عنده هذه الروحية: روحية المسارعة إلى ما يستوجب به المغفرة، وإلى ما يستوجب به الجنة التي عرضها السموات والأرض، يهتم جداً بالقضية الكبرى، أنها هي قضية يجب أن ينظر إلى نفسه، وماله وكل ما حوله أنه هين أن يضحي به من أجلها، وهو الإسلام، العمل في سبيله، العمل لإعلاء كلمته، الدفاع عنه، الدفاع عن أمته.

من كان على هذا النحو فستكون شخصيته، وماله، ليست ذات أهمية لديه، حتى إذا ما انطلق إلى العمل في سبيل الله فووجه بدعاية من هنا، أو من هنا، ما يتأثر، ليس ممن قال الله فيه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}(العنكبوت10) لا بأس سيعمل للإسلام، سيتحرك في الأعمال الصالحة، في مواقف جيدة، لكن إذا سمع دعاية ضده قال: [ها ما عاد لي حاجة] ويفلت كل شيء، وكأنها تعتبر عنده كما قال الله: {فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ} يعني ما يلحقه من الناس كما لو عذب، {كَعَذَابِ اللَّهِ}.

يذوب في هذه المسألة بحيث أنه ينسى أنه يعطي لشخصيته أهمية كبرى، بحيث إذا ما لحقه شيء ليس مستعداً أن يكظم الغيظ، ولا أن يعفو. نحن قلنا: قضية كظم الغيظ، والعفو، هي مسألة زايد على العدل، أي الشيء الطبيعي، والذي هو نازل في الساحة للناس جميعاً أن يحصل من جانبك شيء علي، كلام جارح، أو شيء يتعلق بمالي، أو بعرضي، فهناك العدل، ألتزم العدل أنا، لا تكن ردة الفعل من جانبي قاسية أكثر مما حصل منك، ثم نكون جميعاً مستعدين أن نتناصف فيما بيننا، أو أن نحكِّم من يحكم بيننا بالعدل، فما قضى به فهو الذي يجب أن نعمل به جميعاً. فما أنا بحاجة أن أكظم غيظ، أو أعفو.

لكن المؤمن المتقي حقيقة، من تهمه قضية وحدة الناس، من يهمه قضية إعلاء كلمة الله، الجهاد في سبيل الله، لا بد أن تكون هذه من الصفات البارزة فيه، ولأنها صفة بارزة فيه؛ لأنه لم يعد يعطي لشخصيته قيمة كبيرة بحيث يجعلها مقياساً، يجعلها كل شيء أمامه في الحياة، فهي أهم من الدين، أهم من الأمة، أهم حتى من الله عنده.

ألسنا كثيراً لا نغضب لله، لا يحصل فينا غضب لله عند الناس! أليس هذا واضح؟ لكن يحصل على واحد منا شيء يتعلق بنفسه، أو بماله، ما هو يغضب؟ لأنه قد أصبح الشيء الذي كان يجب أن يكون محط اهتمامنا، فله نغضب، وفيه نذوب، بحيث كل شيء دونه سهل، الذي هو الله سبحانه وتعالى، ودينه، ورسوله، وعباده.

أصبحت أشياء ما يثير أي شيء يعتبر اعتداء عليها، أو إساءة، أو مخالفة، فيما يتعلق بهذا الشيء العظيم، لا يثيرنا! لماذا؟ لأننا مشغولين بأنفسنا، أنفسنا أصبحت لدينا هي أهم من كل هذه الأشياء، أهم من الله، ورسوله، وجهاد في سبيله.

فهذه الصفة نفسها، التي هي في الواقع ممكن أن يكون العدل هو يحل محلها، أليست تبدو وكأنها اختيارية: كظم الغيظ، والعفو؟ لكن بالنسبة للمتقين، والمتقين واعين، المتقين متكاملين في فهمهم، تصبح صفة لازمة من صفاتهم. ما الذي جعلها صفة لازمة من صفاتهم؟ هو أنه يكون سريعاً إلى أنه أي شيء يبدر من جانب الآخرين ضده ممكن أن يكظم غيظه، ويقفي وكأنه ما حصل شيء حفاظاً على وحدة الناس، حفاظاً على أن لا تثار مشكلة فيبقى هو منشغلاً بهذه القضية، وهو ذهنه منشغل بالقضية الكبرى، فلا يتحول إلى أن ينشغل بالقضية هذه، مرة حصلت من هذا، ومرة حصلت من هذا، ومرة من هذا، ويكون هو مشغول بكل قضية تحصل عليه، فبقي مصارعاً من أجل ذاته، في قضية عادية، بسيطة، لا تقدم، ولا تؤخر.

يكظم الغيظ، يعفو عن الناس؛ لأنه ماذا؟ مشغول، مشغول بالقضية الكبرى، التي يجب أن تكون هي محط اهتمام المتقين: العمل في سبيل الله، العمل على إعلاء كلمة الله، العمل على إنقاذ عباد الله، فيرى مهمة كبرى أن يفرغ ذهنه، وصراعه لهذا الجانب، أن يفرغ قدراته في هذا الجانب، أن يحاول أن تكون وحدة المسلمين قائمة فيما بينهم، فلا يختلف مع أحد، ولا يدخل في شقاق مع أحد مهما أمكن، فسيعفو، وسيصفح، وسيكظم الغيظ.

هذا بالنسبة للمجتمع الذي هو مجتمع صالح يعتبر توحد أفراده ذو إيجابية بالنسبة للإسلام، وبالنسبة للمسلمين، أما إنسان فاسد هو عدو، هو مباين، لست بحاجة إلى أن تكظم غيظك معه، ولا أن تعفو عنه، لكن عليك أن تلتزم جانب العدل معه أيضاً.

هذه أشياء كلها تلفت النظر حقيقة، قضية أن يصف الله عباده المتقين بهذه الصفات المهمة، تلفت النظر إلى أنه يجب أن نتأدب بأدب القرآن إذا كنا مؤمنين، مسلمين، وأنها صفات تعطي أثرها المهم، وتترك إيجابية كبيرة جداً فما يتعلق بتهيئة الناس أن يكونوا متآلفين فيما بينهم، وأن لا يغرق المجتمع بالانشغال بالقضايا الصغيرة.

إذا معنا شخص مثلاً مهم، أو معنا شيخ مهم، أو معنا كبير نلتف حوله، فنكون مغرقين بيته بنادق، رباخات، رباخات على مشاكل، هذا على صخره، وهذا على مشرب، وهذا على [زربه] وهذا على [قليل عَلَف] على حاجات بسيطة من هذه. أي: هذا مجتمع فارغ، مجتمع يعيش حالة فراغ عن الاهتمام بالقضايا الكبيرة، قد فرحنا، معنا شيخ باهر، ومن أولياء الله، وشيخ جيد، تدخل مجلسه وهو ملان، غرفته ملان بنادق رباخات.

هل تجد أي قضية إسلامية داخل هذه الرباخات؟ داخلها، هل هناك شيء؟ لا، كلها قضايا هامشية، كلها كثير منها قريب، كلها مما يمكن أن تفصل في لحظة.

لكن إذا كانوا أطرافاً، كلهم يهتمون بقضية كبرى، هي التي وجه الله عباده إلى الإهتمام بها، إهتمام بأمر الدين، لكن حاول أن تطرح قضية إسلامية تقول للناس أن يتحركوا فيها، هل سيبدو لديهم الحماس الذي يبدو أمام بعضهم بعض، وهم يسيِّرون الرباخات إلى عند الشيخ؟ لا، تراهم أمام هذه القضية يبدون متبهطلين، وتثاقل!.

فأن تكون هذه الصفة يعمل المسلمون على التحلي بها، وبالشكل الواعي، أنه من أجل ماذا ننطلق لكظم الغيظ، والعفو فيما بيننا؟ ستبدو قيمتها إذا كان لدينا اهتمام كبير، نحمل مسؤولية أمام دين الله، أمام دين الله، حتى فيما يتعلق بالخصومة، أفكر بأن المبلغ الذي يمكن أن أخسره أنا وأنت في شريعة على صخرة، على مشرب صغير، قد لا ينزل منه برميل ماء، عندما يكون المطر قوياً، والتي سنخسرها حوالي ثلاثين ألف، عشرين ألف، أربعين ألف.

إذا ما عندي فكرة بأن المفروض أن هذا المبلغ الذي أقوم أحاول أن أوفره، وأخرجه من داخل شمطتي، أو اقترضه، أليس العمل للإسلام أولى به؟ إذا كنا من يفكر هذا التفكير فسأتصالح معك بسرعة، سنتصالح فيما بيننا بسرعة، وسيكظم بعضنا غيظه على الآخر، بل سيتحاشى كل واحد منا أن يصدر منه ما يجرح مشاعر الآخر، وعادة ما يجرح مشاعر الناس هو أكثر مما هم مختلفين عليه، هذا هو العادة.

المشرب، أو قطعة الأرض، أو الصخرة، أو قطعة المحجر، ما هي تكون هناك محلها؟ هي ليست بالشكل الذي يثير، نحن مختلفين، تقول هي لك، وأنا أقول هي لي، خلاص إلى هنا تقف المسألة، نوقف عند فلان، وأنت تحضّر ما معك، وأنا أحضّر ما معي، وبسرعة.

لكن لا؛ لأننا نعيش حالة فراغ عن الاهتمام بالإسلام، كل واحد يقوم يشكي، وكل واحد يتهم الآخر بأنه عدو الله، وأنه ظالم، وأنه من يأكل لو هو من كفن الجنازة، وأن، وأن.. وما دريت وإذا بتلك القضية حاجة بسيطة، تصبح لم تعد هي التي تثير الموضوع تقريباً، قد هي حالة توتر تأتي من الكلام السيئ، الجارح، المتبادل فيما بينهم، والاتهامات، فيرسخ حالة من الشعور بالعداء، ومن حالة التوتر، لدرجة أنه يكون مستعد أنه [لو با ندي جنابينا، أو ننقل الحاكم ونهب له من مائة ألف، أو، أو،] فيقع الناس في مثل هذه المظاهر السيئة.

وتلاحظ لو تأتي إلى أشخاص يكونون مستعدين أن يعطوا للحاكم، أو لمدير، أو لشخص من أربعين ألف مخابرة على قضية قد لا تكون قيمتها عشرين ألف، لو تقول لهم: هاتوا أعطونا من خمسه ألف في سبيل الله، ألا تكون ثقيلة عليهم؟ ما هم سيتثاقلون، يتباطأون؟ هو سيرجع في الأخير يرد الفلوس في جيبه، ويعطفها بين أربع باغات ويربطها ويدخلها هناك.

لكن فيما يتعلق بإرضاء مشاعر نفسه أصبح لديه غضب، أصبح لديه حالة توتر ضد الآخر! ما هو هنا أصبحت نفسه، وأصبحت الصخرة هذه، أو المشرب، أو قطعة المحجر، هي أهم من الله، ورسوله، وجهاد في سبيله، {أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} ألم تصبح هكذا؟ فهذا مما يستوجب به الناس الغضب من الله {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ}(التوبة24) تهديد هذا، تحت قوله: {فَتَرَبَّصُواْ} انتظروا محلكم، ما عليكم، سيأتيكم ما تستحقون به ما أنتم عليه من هذه الظاهرة السيئة.

الظاهرة السيئة أن تكون الأشياء هذه أحب إلينا من الله ورسوله، وجهاد في سبيله: أموالنا، وأبناؤنا، وتجارتنا، ومساكننا. أليس الشيء الملموس عند الناس بأنها أحب إليهم من الله، ورسوله، وجهاد في سبيله؟ شيء ملموس، بدليل أننا نهتم بها أكثر مما نهتم بأمر الدين، لا نعطي الدين، ولا واحد من ألف من الاهتمام بأمره بمثل ما نهتم بأموالنا، وأبنائنا، ومساكننا، وتجارتنا.

فالتربص معناه: انتظروا، ما عليكم، سيأتيكم ما يؤلمكم، سيأتيكم الضرب، ويأتيكم الإهانة، تجيكم الذلة؛ لأنها عبارة غضب من الله سبحانه وتعالى، {فَتَرَبَّصُواْ} ليس معناها قد سبرتم، مكانكم، وليس لنا دخل منكم، لا.

إذاً فلا بد أن تكون هذه الصفة من الصفات التي ينطلق الناس في التحلي بها فيما بينهم، كظم الغيظ، والعفو.

عندما يأتي الشخص أخطأ عليك بزلة حصلت منه، ثم يأتي يعتذر، إقبل عذره، ويجب عليك أن تقبل عذره. عندما يحصل منك زلة أنت على شخص آخر، ولو عندك أنه ليس بالشكل الذي يمكن أن تخاف منه، بعض الناس قد يحصل منه زلة على شخص آخر هو مسكين، ولأنه لا يخاف منه، لا يبادر إلى أن يعتذر إليه، ما هو خائف أنه ستأتي ردة فعل شديدة عليه، لا يهتم أنه يعتذر إليه.

يجب أن تعتذر إذا حصل منك زلة على شخص كبير، أو صغير، قوي، أو ضعيف، سواء كان شخصاً ممكن أن يؤثر عليك فيما بعد، أو شخص لا يستطيع أن يعمل بك شيئاً، لا بد أن تعتذر، ومتى ما اعتذرت عليه أن يقبل عذرك.

وهذا الشيء أيضاً عندما يكون الناس لا يعتذرون إلا من الأقوياء منهم، لا يعتذر إلا عندما يأتي واحد يقول له: لاحظ هذا الإنسان سيكلف عليك عملك هذا منه، وموقفك هذا منه، ستثير عداوته ضدك.

لا،.. يجب أن تعتذر ولو عندك أنه ليس بالشكل الذي يمكن أن تخاف منه.