القرآن الكريم

كيف نستخدم نعم الله فيما يرضيه وفيما لا يسخطه؟.

برنامج رجال الله اليومي.

السيد حسين بدر الدين الحوثي.

معرفة الله نعم الله الدرس الثالث صـ 3 ـ 4.

الإنسان منا متى ما حصل منه أن يستخدم اسم شخص آخر، إذا ذهب واحد إلى منطقة وقال: أنا ابن فلان, حصل لي كذا كذا، وأنا أريد [معونة] هذه قد تحصل من بعض الأشخاص، أليس هذا يعتبر إساءة إليك؟.

أن يسير يطلَّب بعدما يحمل اسمك على أساس أن اسمك معروف في المنطقة تلك، أو يسير واحد إلى عند الثاني يقول: قال فلان تعطيني مبلغ كذا قرضة وهو سيعطيك فيما بعد، وأعطاك، أليس باسمه أعطاك؟. ماذا سيقول هذا؟ استخدمت مكانته, فباسمه أخذت ما أخذت، وباسمه كذبت على الآخرين، وباسمه غشيت الآخرين.

الله سبحانه وتعالى الذي يريد منا أن يكون اسمه في نفوسنا, مترسخاً في مشاعرنا هو الذي يدفعنا، هو الذي يردعنا عن أن نتجاوز على الآخرين، أن تتذكر الله كما قال في صفات المتقين:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}(آل عمران: من الآية135) إن الله يريد منك أن يكون ذكره وأنت تتذكره وتتذكر اسمه لتنزجر عن ظلم الآخرين، عن المعاصي، فكيف تأتي وتستخدم اسمه في إنزاله على الباطل، ولتنال به باطل، أو تقرر به باطلاً، أليس هذا من السخرية بالله سبحانه وتعالى؟ أو التسخير لعظمة الله في إضفاء شرعية على الباطل.

ولهذا جاء في الحديث: ((أن اليمين الغموس ليس لها جزاء إلا جهنم)) ، ((وأن اليمين الغموس تذر الديار من أهلها بلاقع)) تتدهور أحوالهم، والموت يفتك بهم فتصبح بيوتهم خالية, لماذا؟ لأنك باسم الله أضفيت على الباطل صبغة الحق، والله يريد أن تكون باسمه ترتدع عن الباطل.

هذه واحدة من الإساءات البالغة التي قد تحصل منك باستخدام النعمة العظيمة التي وهبك الله إياها وأسبغ عليك بها، نعمة النطق، البيان، الإعراب بالكلمات, بالأحرف بواسطة لسانك وشفتيك.

أن تأتي لتشهد شهادة زور، شهادة الزور هي نفس الشيء تشبه اليمين الفاجرة؛ لأنك تقول: أشهد لله أن هذه القضية كذا وكذا، وهي ما أسوأها وما أقبحها، شهادة الزور.. وهكذا كم سترى أن كثيراً من المعاصي يمكن أن تستخدم بواسطة النطق فتكون ممن سخر نعمة الله عليك في معصيته، في ظلم الآخرين، في أخذ حقوق الآخرين، في الحط من مكانتهم، في هتك أعراضهم، في تأييد الباطل. إذاً فاستحِ من الله، وتذكَّر بأن هذه نعمة عظيمة أنعم بها عليك.

من هنا نعرف أهمية أن يذكِّرنا الله وأن يطلب منا أن نتذكر نعمه العظيمة علينا؛ لأن لها علاقة كبيرة بنا، باعتبار أنها هي الآليات التي بها نطيع وبها نعصي، فمتى ما تذكَّرنا أنها نعمة منه فإن هذا سيوجد في أنفسنا حياء من الله، أن نتوقف عما طلب منا فيها، أو أن ننطلق لاستخدامها في معاصيه.

من الأشياء التي يظهر بتذكر أن ما بين أيدينا هو من نعمة الله علينا كونها من مفردات هذا العالم الذي نحن خلفاء لله فيه. لاحظ كم سيظهر من أثر كبير لتذكر نعمة الله، أنت عندما تتقلب داخل مفردات وأجزاء هذا العالم فتصنِّع وتنتج وتبدع وتعمر .. وأشياء كثيرة، إذا ما كنت متذكراً بأنها من نعمة الله، إذا ما كان الناس متذكرين بأن هذه الأشياء هي من نعمة الله عليهم فإنهم سيخشون من الله وسيستحيون من الله أن تستخدم في معاصيه، أو أن تستخدم في الإضرار بالآخرين من عباده.

عندما انطلق الغربيون في التصنيع، وباستخدام المنتجات المتعددة في مختلف المجالات، ألسنا نرى ما أكثر ما تستغل في الإفساد في الأرض، وفي إفساد عباد الله وفي ظلم الناس؟ لو كانوا هم ممن يتذكر بأن ما بين أيديهم من طاقة، ما بين أيديهم من آليات، ما بين أيديهم من إمكانيات هي نعمة من الله عليهم، نعمة, يتذكرون هذه: أنها نعمة لاستحوا من الله أن تستخدم فيما هو إفساد لعباده وإبعاد لعباده عن طاعته وعبادته، فيصبح حينئذٍ تذكر أنها نعمة من الله يشكل ضمانة في تسيير كل هذه المسخرات في المجال الذي يريد الله سبحانه وتعالى، في عمارة الأرض بالصلاح.

أن تتذكر بأن هذه نعم من الله سبحانه وتعالى عليك، لا أن تراها وكأنها هي أشياء طبيعية ثابتة هنا، وكأنها هنا من زمان وهي على ما هي عليه، لا تتذكر بأنها من الله هو الذي منحها، كم سيفوتك من أشياء كثيرة مما يمكن أن تعطيه هي من معرفة، وترسيخ معرفة لله سبحانه وتعالى فيما يتعلق بحكمته وقدرته ورعايته ولطفه ورحمته، لا تستفيد منها هذه المعاني المهمة.

متى ما تذكرت أن كل ما أرى, كل ما أستمتع به في مختلف شؤون حياتي هو نعمة من الله سبحانه وتعالى، وأرى من خلال آياته الكريمة أنه يريد مني أن أقدرها، أن تكون ذات قيمة لدي، ألم ينهنا عن التبذير؟ ألم ينهنا عن الإسراف؟ هو تنبيه على أنه ينبغي أن يكون لهذه الأشياء قيمة لديكم، هي ذات قيمة، فإذا ما نظرت إليها كذات قيمة مصاحب هذا الشعور للشعور والتذكر بأنها نعمة من الله سبحانه وتعالى عليك، نعمة على الناس جميعاً، فإن هذا هو ما يساعد على أن تتأمل في ما تعطيه هي من معارف، في كونها من مظاهر قدرة الله، في كونها من مظاهر رحمة الله، في كونها من مظاهر رعاية الله فيترسخ ويزداد إيمانك كثيراً كثيراً بالله سبحانه وتعالى, وتعظم ثقتك به.

والموضوع من أساسه هو الحديث عن كيف نثق بالله, أليس هذا هو الموضوع؟ هو كيف نثق بالله سبحانه وتعالى؟ تدلنا هذه على أن من فعلها هو عظيم الرعاية لنا، عظيم الإحسان إلينا، حكيم في تدبيره، فما وجهنا إليه، وما أرشدنا إليه، لا يمكن أن يكون فيه مجازفة، ولا خطأ، ولا ورطة لنا، ولا تصرف أحمق، هو حكيم فيساعدك تذكر أن ما بين يديك من نعمة الله يساعدك على تكرير التأمل فيها لكونها ذات قيمة لديك، قيمة في واقع الحياة باعتبارها مما تمس الحاجة إليه في مختلف شؤون الحياة بالنسبة للناس جميعاً، مما لا تستقيم الحياة إلا بها فتزداد ثقتك بالله سبحانه تعالى وتعظم ثقتك به، ومتى ما عظمت ثقتك بالله انطلقت في كل ما وجهك إليه؛ لأنك واثق بأنه رحيم، أنه يرعى، أنه حكيم، أنه قدير، فكيف لا أثق به, فكيف لا أثق به؟.

هذا فيما يتعلق بالتذكير بنعم الله فيما بيننا وبين الله، لكن لماذا مُنع الإنسان من أن يستخدم نفس الأسلوب فيما يعطي مع الآخرين؟ لماذا منع؟ أليس المنّّ هو من المعاصي؟ أن تمنّ بما تعطي يعني هذا أن تحبط كل ما كان يمكن أن تحصل عليه من الأجر مما أعطيت، إبطال له:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً}(البقرة: من الآية264) أملس, كصخرة كان عليها قليل تراب جاء وابل المطر فتركها ملساء. هذا الإبطال ينهى العمل بالمرة.

ولما كان المال, أو النعم بصورة عامة, سواء كانت نعم معنوية، أو نعم مادية، لها أثر عاطفي في نفس الإنسان يشده إلى الطرف الذي منحه هذه النعمة، إلى من أسدى إليه هذا المعروف, يشده نحوه، كانت النعم فيما يتعلق بعلاقتنا بالله سبحانه وتعالى ذات تأثير كبير فيما إذا تذكرنا أنها نعمة، هي مربوطة بالتذكر{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (الضحى:11) بالتذكر، أما إذا كنا ناسين للنعم هذه فلا تعطينا أي معنى من المعاني، أنها تشدنا عاطفياً نحو الله سبحانه وتعالى.

لكن إذا كان للمال أثره العاطفي، إذا كان للنعم أثرها العاطفي، والقاسم المشترك ـ ما بين تعامل الله مع الإنسان على هذا النحو وفيما يتعامل الناس مع بعضهم بعض ـ هو الجانب العاطفي، فهو بالنسبة لله مضمون، وبالنسبة لله سبحانه وتعالى إيجابي متكامل، متى انشديت إليه كلما كان انشدادك إليه في صالحك وتكريم لك وتعظيم لك، هو تكامل فيك، وسمو لروحيتك، وطهارة لنفسك، وتعطي ما تحدثنا عنه سابقاً.

لكن بالنسبة للإنسان ماذا سيحدث؟ بالطبع لو بقي المجال مفتوحاً فيما بين الناس أنه على كل واحد أن يتذكر ما أعطى إليه الآخر فيقابله بنفس الشعور، ويقف منه نفس الموقف الذي يقفه ويشعر به مع الله سبحانه وتعالى فيما أعطاه عليه من نعم، لو كان المجال مفتوحاً على هذا النحو لكان في المسألة خطورة بالغة: هو أن كثيراً من أصحاب الأموال، كثيراً من أهل الباطل أليسوا يسيرون الباطل بأعمال من هذا النوع.. إحسان, وبذل مال, وتسهيلات معينة، وبذل معروف؟ نِعم ـ إن صح التعبير ـ أليس هذا هو ما يستخدمونه؟.