الحكمة تجعل الإنسان حكيما في مواقفه، في رؤاه، في تصرفاته، في أقواله، في أفعاله كلها تكون حكيمة

يوميات من هدي القرآن الكريم

الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي.

الدرس الحادي عشر من دروس رمضان.

 

{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} الحكمة بشكل عام قضية هامة جداً، وقضية مطلوبة ـ تقريباً ـ في كل إنسان بدءاً من الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) يكون حكيماً، القرآن نفسه حكيم، من يعلّم الناس يجب أن يكون حكيماً، من يهدي الناس يجب أن يكون حكيماً، والناس أنفسهم يُعَلّمُون ليكونوا حكماء، ليكونوا حكماء {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (البقرة: من الآية129) فالحكمة تجعل الإنسان في مواقفه، في رؤاه، في تصرفاته، في أقواله، في أفعاله كلها حكيمة. يقابل الحكمة لا يقابلها إلى أخطاء، وتصرفات خاطئة، حماقة، أراء قَلَبْ، خسارات بعد كل موقف هو فيه، بعد كل رأي هو فيه.

فلا تحاول في عملك أن تكون بالشكل الذي يبدوا مرهقاً للناس بحيث تكون طلباتي منهم ـ تقريباً ـ في مشاريع عملية وإن كانت في سبيل الله، طلباتي منهم بالشكل الذي ربما قد يكون أكثر مما أقدمه لهم

موضوع المال موضوع حساس، مهما كان الإنسان خيِّر، ربما الأشياء متكررة عليه، المتكررة قد تؤدي في الأخير ولو في حالة غضب معين، ولو في حالة أن يحصل له خسارة في تجارة معينة، فيحصل يقدح في نفسه أشياء، والقوادح في النفس هو هذا ذكرها فيما يتعلق بناس كبار، ألم يذكر هناك بالنسبة لنبي الله إبراهيم؟ {قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}

الله قال في الأخير: {وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} (محمد: من الآية36) كل أموالكم وأسئلة مجحفة، {إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا} ألم يأت هنا بخطاب عام؟ {فَيُحْفِكُمْ} بعدكم، بعدكم هكذا {تَبْخَلُوا} {وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} فيطلع كلاماً سيئاً حول موضوع المال، [إنما ضيعوا حقنا، لا يوجد شيء ولا رأينا شيء ولا، ولا .. ] في الأخير لا تدري وقد تحول هو إلى محارب للشيء الذي كان ينفق في سبيله.

يستطيع الناس أن ينهضوا بأشياء كثيرة وبدون أن يحس أي طرف بثقل، أو يحس بأنه أرهق، أو يحس بأنه وكأنه هو الذي يتحمل الأعباء بمفرده، أو مجموعة لوحدها مهما كانوا خيرين.
يجب أن يكون الطرف الآخر أنا أو أنت أعني: رحماء، رحماء بقدر الإمكان، فتقدم مشاريعك العملية بالشكل الذي تراعي فيه حساسية المال في النفوس، وبالشكل الذي لا يبدو مرهقاً للناس، وتركز بشكل كبير في توعيتك في تبيينك وتبين أهمية القضية التي أنت فيها، أهمية العمل الذي أنت فيه، أهمية الأطروحة الفلانية التي أنت تتبناها فبمقدار اهتمامهم سيقدمون.

قدم دين الله بشكل متكامل، لأنه أحياناً قد تقدم للناس عبادات معينة من التي ليس فيها طلبات، هنا أنت تقدم الدين ناقصاً، بالشكل الذي لا ينفعهم هم، لا يستحي الإنسان أن يتحدث عن الإنفاق في سبيل الله، وبهذا الأسلوب الخطابي العام، وفي نفس الوقت بهذا الأسلوب الذي يرفق بكثير من ماذا؟ من التشجيع والدفع بالناس إلى أن ينفقوا في سبيل الله، ولا يكون عملك في نفس الوقت مليء بالمشاريع المالية.

في موضوع المال موضوع يجب أن يكون فيه تصرفات حكيمة في توجيه الناس، في تقديم المشاريع العملية للناس، بأن تكون أعمالك بالشكل الذي تبعد أي حساسية من النفوس، ولهذا نقول أكثر من مرة: العمل الذي نحن فيه، فيه مجالات اشتغل أنت بمالك حتى لا يأتي بعد أيام وتقول: لا ندري أين ذهبت أموالنا؟ أو هم فقط سيأكلونها، أو يكون هناك منفذ لآخرين مخربين من الذين هم منافقون يثبطون الناس عن الإنفاق، لا تعط شيئاً، أنت اشتغل بحقك أنت، أمامك ملازم معينة، أمامك شعارات معينة إشتغل أنت بفلوسك في هذا الموضوع، أمامك أشخاص معينين من الذين هم مرشدون ومعلمون موّل شخصاً أنت لينتقل إلى منطقة في سيارتك، أو بفلوسك، إشتغل أنت.

{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ} يتحدث في الآية هذه عن موضوع الحكمة في وسط الحديث عن الجانب المالي لنعرف بأنه موضوع يجب أن يكون التصرفات فيه حكيمة، ومع الناس حكيمة، والمشاريع تكون على أساس معرفتك بالجانب المالي أيضاً حكيمة.

{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} (البقرة: من الآية269). ولأنه على يد من يؤتى الحكمة يكون هناك خير كثير، أعمال تكون مثمرة، حركة تكون مثمرة. وإذا ما هناك حكمة في الأخير لا تدري إلا وقد هم يصيحون منه، من أساليبه

موضوع الإخفاء يبدو أفضل {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} وسيأتي خير يكون في مقامات يعني: جنس الخير، وفي مقامات بمعنى أفضل يعني مثل ما تقول: [أخْيَر] لأنه ليس هنا إشتقاق بهذا الشكل في اللغة [أخيَر] خير يعني: مثلما تقول: أحسن من الصورة الأولى في العطاء، ويكون العطاء على هذا النحو مما يكفر به السيئات على قراءة: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي يأتي العطاء على هذا النحو يكون من أسبابه، أو يكون سبب من أسبابه أن تكفر سيئاتكم.

لا أعتقد بصحة قراءة: {وَنُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} من الذي يمكن أن يكفر السيئات؟ هو الله الذي يكفر السيئات. تلحظ المقام هنا أنه يتحدث عن نوعية من الإعطاء، أو عن حالة تعطي عليها فأن يكون التشريع مرتبطاً بالحالة قضية مهمة أعني يتوفر أمرين: أن ينشد في ذهنيتك الأثر لهذا العطاء على هذا النحو، وأنت في نفس الوقت تؤمن بأنه من يعمل الأثر هو الله، فتكون مثلاً قراءة: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} الأقرب للسياق نفسه.

{وَنُكَفِّرُ عَنْكُمْ} أليس معناها: ونكفر عنكم نحن؟ ثم يقول: {وَاللَّهُ} كلمة: والله، يعني: أن يأتي انتقال من الخطاب إلى الغيبة يكون لها مقامات مناسبة {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.