عندما يقول الله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} فلتفهم بأنه تأتي الترتيبات الإلهية بالشكل الذي سيظهر وظهوره مرتبط بالناس

يوميات من هدي القرآن الكريم

الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي.

الدرس الثامن والعشرون من دروس رمضان.

 

{وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} (الأعراف:159)، أليست استثنائية جميلة هذه، هكذا قال في قوم موسى. {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ} (الأعراف: من الآية148) إلى آخره، لكن وفي الأخير يقدم لك صورة أنه كان ما يزال هناك ناس، كان يأتي في تاريخهم أناس جيدين، ويتجلى لك بأنه هكذا في مراحل التاريخ داخل الأمم هذه التي يذكرهم من حيث المبدأ أن هناك ممن يهتدون بهدى الله نماذج عالية جداً، أولئك الآخرين السيئين إنما كانوا من جهة أنفسهم هم؛ لإعراضهم، لجهالتهم، لعدم اهتمامهم.

 

{وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} (الأعراف: من الآية160) هذا في حالة التيه، وهو في سيناء كانت هذه.
هذه أليس فيها مظهر من مظاهر رحمة الله، مع أنهم رفضوا أن يدخلوا المدينة، {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} (المائدة: من الآية26)، ولكن أيضاً في مرحلة التيه يعطيهم أشياء، الماء على هذا النحو: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ} عندما يكونون في الصحراء حتى لا تلهبهم الشمس وسخونة الصحراء، {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (البقرة: من الآية57)، هذه تتكرر كثيراً فيما يذكر الله عن الأمم، وما يحصل لها، أنه يأتي من جهة أنفسهم هم، أما هو فهو يرعاهم، ويعمل كل شيء من أجل هدايتهم، لكن هم يعرضون عن الهدى، وهو غني عنهم.

 

{كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} معناها هنا: كتب أن يظهر دينه، هذا كان مما يجب أن يكون محط أمل عند المسلمين، وليعلموا بأنهم سيظهرون فعلاً في هذا العالم على الأديان كلها؛ لأن ليظهره على الدين كله، وترجع إلى السنة الإلهية في مسألة ظهور الأشياء، أنها هنا في الأرض مربوطة بالبشر، ليس معنى ظهوره بأنه سيجعل مثلاً مطر من المصاحف ينزل على أمريكا وأوروبا، وتلك الدنيا كلها، ظهوره، وترجع إلى منطقه هو، منطق هذا الدين، أليس منطقه هنا منطق قيومية، منطق سيادة، منطق واقع يسود، وليس فقط مجرد كلام، أو مجرد حجة، ليظهره يسود، يكون هو الأعلى بسيادته على الأرض.

القضية هي مرتبطة بالبشر، بالتأكيد هي مرتبطة بالبشر، على حسب ما هو معروف من سنن الله سبحانه وتعالى،

عندما يقول: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} (التوبة: من الآية33) فلتفهم بأنه تأتي الترتيبات الإلهية بالشكل الذي يرى واقعاً أنه ممكن يظهر، لا يقول: ليظهره ثم يعمل أمامك صخرة مثل الجبل ملساء، وليس معك ما يمكنك تطلع فوق هذه، ولا يعطي لك أي وسيلة، هو لا يقدم مستحيل، عندما قال: {لِيُظْهِرَهُ} أي ستكون ترتيباته أيضاً بالشكل الذي يكون قابلاً لئن يظهر على الدين كله.

 

عندما يقرأ واحد الآية: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (التوبة:33)، لا تتصور بأن معنى يظهر بالنوعية هذه من العرب؛ لأنك تجد النوعية هذه من العرب هي نوعية من يضربوا، هم مبدِّلين.

إذاً عندما نتحرك نحن في هذا الموضوع، وعلى أساس القرآن، لا يمكن للناس أن يقولوا: إنهم يقرؤون وليس لهم دخل، وربما في الأخير يظهر الباري الدين وسيظهره لهم، لازم عمل يتبين أنهم مهتمون بدين الله، أنهم مهتمون بعباد الله، ولازم انطلاقة على أساس القرآن، عندما تنطلق على أساس أي مذهب آخر لن تظهر، لا يتوقع على الإطلاق أن يظهر الناس منطلقين على أساس أي مذهب آخر، إلا على القرآن؛ ولهذا قال هناك: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ـ دين الحق ـ لِيُظْهِرَهُ} يظهر دين الحق، الأشياء الأخرى لم تعد حقاً، لن تظهر أبداً، دينه الحق هو كتابه وما فيه من سنن إلهية بالنسبة لحركة عباده كيف يبتني عباده على أساسه، في الأخير يأتي للناس ـ ربما ـ عمل بسيط، ألا يعتبر عملنا هذا عملاً بسيطاً؟ شعار نعمله ويكون له أثر كبير، ويظهر في نفس الوقت اهتمام الناس بدين الله، يظهر غضبهم على أعدائه، يظهر أنهم قابلين أن يعملوا ما بوسعهم من أجله. إذا لم يعمل الناس سيكونون مثل بني إسرائيل عندما يقول لهم أن يقولوا: حطة، فبدلوا قولاً آخر.