القرآن الكريم

ثقافة القران تسموا بنا وتمنحنا الحكمة.

برنامج رجال الله.

السيد حسين بدر الدين الحوثي

الثقافة القرآنية صـ3ـ5.

نحن إذا ما انطلقنا من الأساس عنوان ثقافتنا: أن نتثقف بالقرآن الكريم. سنجد أن القرآن الكريم هو هكذا، عندما نتعلمه ونتبعه يزكينا، يسمو بنا، يمنحنا الحكمة، يمنحنا القوة، يمنحنا كل القيم، كل القيم التي لما ضاعت ضاعت الأمة بضياعها، كما هو حاصل الآن في وضع المسلمين، وفي وضع العرب بالذات. وشرف عظيم جداً لنا، ونتمنى أن نكون بمستوى أن نثقف الآخرين بالقرآن الكريم، وأن نتثقف بثقافة القرآن الكريم {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} يؤتيه من يشاء، فنحن نحاول أن نكون ممن يشاء الله أن يُؤتَوا هذا الفضل العظيم.

لا تفكر إطلاقاً أن العلم هو في أن تنتهي من رصّات من الكتب، ربما رصات من الكتب توجد في نفسك جهلاً وضلالاً، لا تنفع. استعرض الآن المكاتب في الشوارع في المدن تجد رصات من الكتب، رصّات من الكتب في الحديث في التفسير في الفقه في فنون أخرى، لكن كم تجد داخلها من ضلال، كم تجد أنها تنسف الإنسان أنه حتى لا يبقى على فطرته.

لم يعد العرب – حتى في مواقفهم من الآخرين، لم يعودوا – على فطرتهم الأوّلة كعرب، يوم كانوا عرب على فطرتهم كانوا يمتلكوا قيماً: يأبى العربي أن يُضَام، يأبى أن يُظلم، يتمتعوا بقيم مهمة: النّجدة، الفروسية، الشجاعة، الكرم، الاستبسال. كانوا معروفين بهذا، حتى في عصر قبل الإسلام، ما كان أحد يستطيع أن يستعمرهم، معظم البلاد العربية ما كان أحد يستطيع أن يستعمرهم، وإن كان هناك بعض مناطق مثلاً في الشام كان تستعمرها الدولة الرومانية، وبعض مناطق في العراق يستعمرها الأكاسرة، لكن مثلاً شبه الجزيرة واليمن كان في معظم مراحلها لا تخضع للاستعمار، وكانوا يقاوموا، وكانوا يأبَوا.

اليهود عاشوا فترة طويلة جداً بين العرب، وهم كانوا بأعداد كبيرة، كان أهل خيبر – أثناء حصار رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) لخيبر – كان يُقال: أن عددهم نحو عشرين ألف مقاتل، اليهود كانوا نحو عشرين ألف مقاتل، هناك – معك – بني قريضة، بني قينقاع ويهود آخرون، هؤلاء أنفسهم لم يستطيعوا في تلك الفترة، وهم اليهود من يمتلكون المكر، ويمتلكون الطموح إلى إقامة دولة، ويعرفون أن تاريخهم كان فيه إمبراطوريات قامت لهم، وقامت لهم حضارة؛ فكانوا – يعني – ما يزالوا يَحنـّوا إلى تكرير ذلك الشيء الذي فات عنهم، ولكن لم يستطيعوا، كانوا يحتاجون هم إلى ماذا؟ يحتاجون إلى أن يعيشوا في ظل حماية زعامات عربية وقُبل عربية، فكان اليهود كل اليهود حول المدينة معظمهم يدخلون في أحلاف مع زعماء من القبائل.. من قٌبٌل المدينة وما جاورها، أي لم يستطع اليهود – فضلاً من أن يسيطروا – لم يستطيعوا أن يستقلوا في الحفاظ على أنفسهم، وأن يحققوا لأنفسهم أمناً.

ما الذي أوصل العرب إلى هذا؟ أحياناً.. الإنسان إذا ما تُرك على فطرته يدرك أشياء كثيرة، لكن أحياناً بعض الثقافات تمسخه عن الإنسانية وتحطه، تقدم له الجبن ديناً، تقدم له الخضوع للظلم ديناً يدينُ الله به، كما رووا في الأحاديث عن رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) أنه قال: [سيكون من بعدي أئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنّون بسنتي] نهائياً ما يقفوا عند حد [قالوا: ماذا تأمرنا يا رسول الله؟. قال: اسمع وأطع الأمير، وإن قصم ظهرك وأخذ مالك].

العربي يوم كان جاهلي، يوم كان جاهلي، يوم كان على فطرته ما كان يمكن إطلاقاً أن يقبل مثل هذا، لكن لما قُدِّمت لـه المسألة باسم دين، لما قُدِّم الآن – الآن في هذا الظرف – السكوت والخضوع بأنه هو الحكمة، هو السياسة، هو الرؤية الحكيمة لفلان أو فلان، هو السكوت، هو من أجل أن لا يثير الآخرين علينا، من أجل كذا، من أجل كذا. عندما يثقف الإنسان ثقافة مغلوطة هذه هي الضربة القاضية.

تجد بين الرصّات الكثيرة من الكتب الكثير من الضلال، الذي لا يبقيك حتى ولا إنسان على فطرتك على طبيعتك. الإنسان بطبيعته هو مُنح – كما مُنحت بقية الحيوانات – الحيوانات كل حيوان له وسيلة للدفاع عن نفسه، له مشاعره التي تجعله ينطلق يدافع عن نفسه ليرهب خصمه، أنتم عندما تجدوا – مثلاً – الشيء الذي نعرفه كثيراً [القطّ عندما يَلْقَى الكلب كيف يعمل؟ يحاول يرهبه، يحاول أن ينتفخ، ويعرض مخالبه وأسنانه ويصدر صوت مرعب؛ يَخَلِّي الكلب أحياناً يتراجع في الأخير]، وهو أكبر منه وأقدر منه.

لم نُترَك كأي حيوان آخر؛ لأن قضية الدفاع عن النفس، الدفاع عن الكرامة، الدفاع عن البلد، الدفاع حتى عن الثقافة القائمة لدى الناس هي فطرة هي غريزة، ألم ينطلق العرب هم ليواجهوا الإسلام، يغضبون لآلهتهم {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} (صّ:6) قاتلوا من أجلها، جاهدوا من أجلها، ضحوا من أجلها، قريش سخّروا الأموال التي جاءت أموال القافلة أموال القافلة أيام غزوة بدر، سخّروها لتمويل جيش ضد محمد، لتمويل جيش ضد محمد (صلوات الله عليه وعلى آله).

فكانوا هكذا في تلك الفترة يوم كانوا لا زالوا ناس، لا زالوا ناس يغضب يثور لتقاليده لثقافته، يغضب على من يظلمه، وأصبحنا هكذا نحن بالثقافة المغلوطة، بالفتاوى المحرفة، بالحكمة التي تُقَدَّم.

لاحظ عندما يقول الله هنا في القرآن الكريم أن من مهام رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) أن يعلمنا الكتاب والحكمة. ما هي الحكمة الآن في مواجهة أمريكا وإسرائيل، ومؤامراتهم، وخططهم؟ والتي أصبحت علنيّة ومكشوفة، وأصبحت أيضاً هجمة ليس معها ولا أي ذرة من احترام لهذه الأمة ولا حتى لزعماء هذه الأمة: سخرية، احتقار، امتهان بشكل عجيب، ربما لم يحصل مثل هذا في التاريخ، ما هي الحكمة الآن؟ تجد أنها الحكمة التي يرفضها القرآن، التي يهدد القرآن على من تمسك بها، ما هي الحكمة؟. السكوت، نسكت، ونخضع، ولا أحد يطلّع كلمة، لا شعار يرَدد، ولا تتكلم في أمريكا!.

من العجيب أن هذه الحكمة قد تُعتبر أنها هي الشيء الذي يضمن للناس سلامة ما هم عليه، والذي يضمن للبلد سلامته فلا يهيمن عليه أعداء الله، وأن هذا موقف حكيم.. أن الزعيم الفلاني يمكن من خلال هذه السياسة أن يوفر للبلاد مبالغ كبيرة من الدولارات. [شفتوا أنه رجل حكيم، استطاع أن يخدع الأمريكيين يدخلوا وبعدين باستطاعته يخرجهم هذا بقدر ما يأخذ منهم فلوس] الفلوس نفسها لم يسلموها التي وعد بها الأمريكيون، لم يعطوا حتى لأفغانستان ولم يعطوا لأحد، وعود كاذبة.

ينطلق هـذا التبرير حتى من بعـض أشخاص هـم حملوا القرآن.. وأي عمل آخـر أي عمل هـو وفـق منطق القرآن – الذي هو حكيم كما قال الله فيه – [لا، لا، يُقول لك: لا. هذا تصرّف غلط، وهذا يؤدي إلى القضاء على الزيدية، ويؤدي إلى كذا، ويؤدي…، سَكْتَه، ولا موقف]. انطلقت الحكمة مغلوطة، لم يبق للإنسان حتى تقديراته الطبيعية للأشياء، لم يبق للإنسان هو أن ينطلق في الموقف الطبيعي من القضايا التي أمامه، يُجَمِّدوا الناس، يخذلوا الناس باسم حكمة. وهكذا.

نحن إذا لم نتثقف بثقافة القرآن الكريم فسنفقد كل شيء، وسنعود إلى أُمية كانت الأمية الأولى أفضل منها، كانت الأمية التي قال الله عنها بأنها: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (آل عمران: من الآية164) سنعود إلى مرحلة من الضلال أسوأ أسوأ بكثير مما كان عليه أولئك الذين قال عنهم: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}؛ لأننا فقدنا أن نلتزم بديننا، أن نتمسك بقيمه، وفقدنا أيضاً قيمنا الإنسانية الطبيعية التي هي للإنسان كأي حيوان آخر. أليس الإنسان يتمتع بمشاعر الغضب أحياناً يغضب؟ هذا شيء فطري وغريزي، حب الانتقام، حب التضحية من أجل شيء عزيز عليه؟ سنصبح أُميين أسوأ من الأمية التي كان عليها العرب، حينها لا يبقى لدينا دين، ولا يبقى لدينا نجدة، ولا كرامة، ولا شجاعة، ولا إباء، ولا فروسية، ولا أي شيء آخر.

إذاً فليفهم كل طالب أنه عندما نأتي إلى المدرسة ونتعلم فقد تسمع أنت كلمات من هنا وهناك: (يتعلم واحد ما أوجب الله، وما له وما عليه، يعلم ما لـه وما عليه). ومطبوع في ذهنك وذهن من يحدثك (ما لك وما عليك): أن تعرف كيف تتوضأ وكيف تصلي وكيف تصوم وكيف تزكي وتحج وانتهى الموضوع.لا.. ما لنا وما علينا هو  القرآن، باختصار هو القرآن الكريم من ألفه إلى يائه.