لا يتحول الباطل إلى حق مع مرور الزمن، ولا يتحول الضلال إلى هدى مع مرور الزمن

يوميات من هدي القرآن الكريم

الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي.

الدرس الثالث والعشرون من دروس رمضان.

 

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (المائدة: 69) يعني: موقف هذا الدين من الآخرين ليس موقفا طائفيا، أو قوميا أو شخصيا، هو دعوة للكل إلى أن يدخلوا فيه، ومن دخل فيه ـ وإن كان من الذين هادوا والصائبين أو النصارى من أي فئة كان ـ سيصبح حكمه حكم المؤمنين {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

 

بني إسرائيل أنهم فعلاً أطروا الدين في إطار قومي، وشخصي، وعرقي، أليس هكذا؟ وسموه باسمهم هم، يهودية، ألم يسموا الدين باسمهم؟ وسموا النصارى الدين باسمهم، نصرانية؟ والدين عند الله الإسلام.
ثم تأتي هذه القضية أساسية وهامة في موضوع إقامة الدين، إقامة الدين هو: أن تقدمه بعنوانه العام، وأن تكون حركة الناس فيه، وفي سبيله على أساس ماذا؟ على أساس رؤيته العامة هذه وليس وفق ماذا؟ رؤية شخصية، أو موقف شخصي، يعني: ألا يغلط المسلمون كما غلط بنو إسرائيل فيؤطروه في أطر قومية، أو مناطقية.

 

لا يتحول الباطل إلى حق مع مرور الزمن، أو يتحول الضلال إلى هدى مع مرور الزمن.
{وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} (المائدة من الآية: 77) هذا خطاب للمسلمين، كما هو خطاب لبني إسرائيل تماما بأن على الناس أن لا يتبعوا أهواء من ضلوا من قبل وإن كان بيننا وبينهم مئات السنين،

 

{كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} (المائدة: 79) هذا يدل على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعندما ترى المسألة على هذا النحو، يكون قد حصل مثلا من خلال فلسفة معينة قدمتها بالشكل الذي يضيعها داخل بني إسرائيل، وداخلنا، خطاب القرآن فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل أساسي أنه يجب على المؤمنين أن يكونوا أمة، عندما يكونون أمة، كتلة واحدة متوحدة تستطيع أن تغير منكرات، وتستطيع أن تقيم معروفا، وأن تأمر بالمعروف، لكن قدم الموضوع بشكل ماذا؟ فردي: أنه يجب أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر إذا كان، وإذا .. وإذا .. وإذا .. !! وإذا كان سيحصل عليك كذا، خائف من ضر يلحقك، وخائف على كذا، أو تظن بأنه لا يؤثر، فهنا لم يعد عليك شيء! لم يقدم كخطاب أنه يجب أن يكون الناس امة كما قال الله: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (آل عمران من الآية: 104) ألم تُضَيَّع قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ لم يبق إلى الأشياء التي هي بسيطة جدًا، لا يوجد فيها خوف نهائيا، المنكرات الكبيرة والمتوسطة والكبيرة جدًا أصبحت لا أحد ينهى عنها؛ لأن كل واحد قد خوطب خطاباً فردياً، ووجه إليه الموضوع توجيهاً فردياً، ورأى بأنه هو لا يستطيع، فلم يعد يلزمه، وكل واحد مثله من باقي الناس، من باقي أفراد الأمة، أو علمائهم!.

 

عندما تقدم فلسفة معينة، أو منطق معين يؤدي بالمسألة هذه إلى أن تضيع، فهنا يصح في الأخير أن يقال: {لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} بأي اعتبار كان، معناه أنك جئت تخاطب الناس خطابا يجعل هذه القضية ضائعة، يضيعها من أوساط الناس نهائيا، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي قضية أساسية لا بد من أمة، ويجعل الناس أنفسهم أمة بكل ما تعنيه الكلمة، وفي نفس الوقت يتناول الإنسان كفرد، كل ما بإمكانه أن يتناوله من القضايا التي هي واضح أنها معروف، وواضح أنها منكرات في محيطه، يضاف إلى كونه واحدًا من أمة يتحرك لتغيير المنكرات؛ لأن كثيرا من المنكرات لا تستطيع أنت لوحدك، مع الآخرين تستطيع أن تغيرها.

 

لن يكون هناك شيء من داخل الإسلام سيء نهائيا، لا يوجد داخل الإسلام ما يمكن أن يُستغل فيشوهه، ويقدمه سيئاً، إنما ما يقدم من جهة المسلمين أنفسهم على طول المرحلة هذه، مئات السنين، كثير من المعتقدات، والرؤى، وحسبوها على الإسلام، وهي بعيدة عن الإسلام، هي مشوهة للإسلام في داخلنا ما بالك أن تكون مشوهة أمام الآخرين.

 

رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} (المائدة: 81 ـ83) لاحظ: آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، أي: كأنهم امتداد لمن قالوا: نحن أنصار الله، فعندهم الرؤية هذه: نحن مؤمنون بك، ونحب أن تكتبنا مع الشاهدين، ما معنى الشاهدين؟ مثلما قلنا سابقا: أنصار لدينك، نجسد دينك، نمثله بشكل نقدم شهادة لعظمته.