هذا الكون هو بمثابة كتاب، تجد فيه مظاهر ألوهية الله ومظاهر حكمة الله، وقدرته، ونعمته، وعظمته وعلمه الواسع

يوميات من هدي القرآن الكريم

الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي.

الدرس الخامس والعشرون من دروس رمضان.

 

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} (الأنعام98)، هو الذي أنشأكم وليس فقط أنه جاء وهناك ناس لا يدري من أوجدهم، هو الذي أنشأكم، وهو حكيم لا يمكن أن ينشأكم إلا لدور مهم، ولغاية مهمة، ولا يمكن أن يترككم سدى، ولا يترككم عبثاً، لازم أن يكون هناك منهج تسيرون عليه، هدى تهتدون به؛ لأن هذا تصرف ملك، وتصرفات الملك أنه ماذا؟ يبين المسيرة، ويعاقب، ويثيب.

هذا الكون هو كتاب، تجد هنا مظاهر حكمة الله، وقدرته، نعمته، وملكه، وألوهيته، كلها، عندما يفلق البذرة، عندما ينبت الأشجار، عندما تتحرك الشمس والقمر والنجوم، عندما ترى الناس أنفسهم أمامك، كل الأشياء هذه، كلها آيات من آياته، انظر إليها تجد فيها ماذا؟ ما يجعل معرفتك بالله واسعة، تعرف حكمته، تعرف تدبيره.

جانب الهدى والتشريع! كما أنه هو الله فالق الحب والنوى، وأنه هو الذي يحرك الشمس والقمر والأشياء هذه، هو أيضاً هو الذي يشرع، هو الذي يهدي هو.
الناس لم يعملوا بالطريقة هذه يقولون يا الله لك الحمد، ولك الشكر، متى ما جاءهم مطر، والجانب الآخر التشريعي، والتقنيني نعطي الآخرين من الناس! أليس هذا يعتبر جريمة؟ هو قال هناك {قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ}.

يجب أن تفهم بأن من رعى الناس هنا، من رعى الإنسان في هذا الجانب، جانب النعم، جانب الماديات هو أيضاً قد رسم المنهج الذي يمثل رعايته لهم في الجوانب الأخرى. لاحظ الثمر نفسه، أليس هو الذي يجعل الثمر بالشكل الذي يتلاءم مع ذوق الإنسان، ورائحة طيبة، وشكل جميل، وذوق جميل؟ أليس هذا مظهراً من مظاهر العناية؟ فيما يتعلق بقوته، وفيما يتعلق بالفاكهة.
إذاً فلنقل هل يمكن للحكيم الذي هو ملك الناس أن يغفل رعايته للناس في الجانب الآخر؟ بحيث لا يظلمون، ولا يقهرون، ولا يضلون، ولا يستضعفون؟ هل يمكن أن يغفل هذه؟ قلنا بأن هذه القضية فطرية عند الإنسان فعلاً، لا تجد أحداً في أي بيت من البيوت لا يرى نفسه بأنه مسئول عن أولاده فيما يتعلق بماذا؟ برعايتهم المادية، ورعايتهم المعنوية، أليس هذا معلوماً، يوفر لأولاده الأكل، واللباس، والسكن، والأشياء هذه، ومصاريف ويتعب لهم، وفي نفس الوقت يدافع عنهم إذا ظلموا، ويحاول يوجههم كيف يسيرون لا يظلمون. أليس هذا معلوماً؟ قضية فطرية عند الإنسان. نحن اعتبرنا بالنسبة الباري لا، وكأنه شغال في الجانب الآخر، والجانب الثاني مهمل له تماماً، جانب التشريع، جانب الهداية، جانب الرعاية في القضايا هذه الأخرى، ثم نبحث عند الآخرين، عند ناس يشرعون لنا، وعند ناس يحمونا، وناس نتولاهم على أساس يقونا الظلم، أو القهر.

{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ} (الأنعام من الآية95) أليس معناها هكذا أنه يجب أن تؤمن عندما يقول في الأخير {إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، إذاً الله هو الذي يهدي، كما أنه وحده الذي يفلق الحبة، أليست هذه أشياء كلها يقدمها هو الذي يعملها وحده؟ إذاً فهذه الأشياء أيضاً الهدى لا يمكن أن تحصل عليه إلا من عنده هو. لكن في الأخير يأتي الإنسان هكذا {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} (الأنعام من الآية100) بعدما يرى هذه الأشياء أنها من الله هو، أنه يجب أن تؤمن، وأن تعلم أن الجانب الآخر أنه من عنده هو، هو الذي يهديك، هو الذي يشرِّع لك، هو الذي يوجهك، أنت محط عنايته ورعايته في الجانب الآخر، لا تضل، ولا تظلم، ولا تقهر.

{وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} بالنسبة للرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) لأن هذه العبارة على لسانه قل {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} (الأنعام104)، أنا لا أثيب ولا أعاقب، أنا لا أمتلك هذا الثواب والعقاب، الذي يمتلكه هو الله سبحانه وتعالى، هو الذي هو حفيظ عليكم، ورقيب عليكم، وهو الذي سيثيب ويعاقب.