الله تعالى هو الذي يهدي، هو الذي يرسم الطريقة، ولا يأتي الشقاء والضلال إلا بمخالفة هداه
يوميات من هدي القرآن الكريم
الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي.
الدرس السابع والعشرون من دروس رمضان.
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} (الأعراف: من الآية43) ما كأن الآية تعني: أن فيهم غل على بعضهم بعض، المؤمنون لا يقدمون بأنهم فئات في نفوسهم غل على بعضهم بعض، إلا إذا هي حالات نادرة جداً، غل من آثار الحياة هذه، غل من شقاء الحياة هذه التي كانوا يعيشون فيها، أليس المؤمنون قلوبهم مليئة غِل، غَلّهم الآخرون؟ ولهذا يذكر في القرآن: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ}، {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} (التوبة: من الآية15) لأن هناك في الجنة ينزع الآثار من النفوس بعد الحياة هذه، والجنة ليس فيها أي غل، لا يوجد فيها أحد يقدم أشياء تغيظك نهائياً.
{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} (الأعراف: من الآية43) كيف العبارات هنا بالنسبة للمؤمنين؟ هنا يقدم المؤمنين نوعية واعية فاهمة، فهموا موضوع الهدى، موضوع طريق الجنة، أن طريق الجنة يبدأ من أين؟ من طريق التوجه إلى الله، وأنه هو الذي يمنح، يعني: أنك تركز أنت أن تكون متوجهاً إلى الله وتسأله هو رضاه وجنته، تسأله هو أن ينجيك من سخطه وعذابه، أنه هو الذي يهديك إلى طريق جنته، ليست القضية مثلما تقدم بشكل آخر، منهجية أخرى أنت الذي تجمع لك للجنة على ما قد قالوا لك، وناسي الله هناك، لا يوجد التفات بالشكل الصحيح، ولهذا قدم حتى في الأعمال أن الإنسان يتوجه بها إلى الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} (البقرة: من الآية207)، وهكذا في كثير من العبادات.
{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} هدانا إلى هذه الغاية، {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} ماذا تعني العبارات هذه؟ إذاً فليكن توجه الإنسان إلى الله، أنه هو الذي يهديك، هو الذي يوفقك هو الذي يرشدك، ويرعاك، ويتوب عليك، ويغفر لك، وأشياء كثيرة.
{وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} (الأعراف:48)، هنا ـ أيضاً ـ يبكتونهم في ساحة الحشر: {أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ} (الأعراف: من الآية49) يذكرِّون الآخرين بمن قد هم مكتوبين إلى الجنة، قد هم من أهل الجنة، كأن هؤلاء الذين قد هم من أهل النار وأصحاب وجاهات كبيرة وعندهم أنه قد حصل حشر، وعندهم أنهم ربما سيدخلون الجنة؛ لأن الله في ذهنيتهم مثل أي زعيم في الدنيا هذه، أليس الزعماء هنا يجاملون أصحاب رؤوس الأموال، ووجهاء كبار وشخصيات؟ يجاملونهم لو تريد تشتكي به أو شيء، لا تقبل شكواك، لكن في الآخرة لا يوجد من هذه نهائياً، وكانوا هؤلاء المجرمون يستخفون بالمؤمنين، عندهم كيف هؤلاء! {أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} (الأنعام: من الآية53) كما قال في آية سابقة، كيف أن الجنة هذا النعيم العظيم الذي تقولون عنه أنها قد تكون للنوعيات هذه، بل ربما يأخذون فلان وفلان ويختارون الكبار من أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب الوجاهات، مقاييس مادية!
فيقال لهؤلاء الكبار كما قال هنا: {مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}
{الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً}، عندما قدم لهم هذا الدين العظيم استبدلوه وجعلوه محط لهو ولعب، يسخرون به، ويخوضون ويستهزؤون بالمؤمنين، {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} (الأعراف: من الآية51) يتركون من أي خير {كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ} (الأعراف: من الآية51) ولجحودهم بآياتنا في الحياة هذه، في الدنيا.
{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ} أي يتناول كل قضية بالتفصيل، {عَلَى عِلْمٍ} على علم بالإنسان، علم بالحياة، علم بما سيصل إليه الإنسان في المستقبل، علم بأنه إذا لم يسر على هذا النهج، وعلى هذه الآيات، سيكون مصيره سيئاً، علم بكل ما تناوله.
وهذه الآية هامة جداً في موضوع المعرفة بالنسبة لنا، ومثلما نقول: القرآن لا يحتاج إلى تشطيبات على الإطلاق بعده، يجب أن يكون هو الحكم، ويُعطى الأولوية على كل شيء؛ لأن الله فصله على علم، فلست بحاجة إلى أن تقول: أما هذه فكأنها تحتاج إلى كذا كذا، فنحاول نزيل ما فيها من أشياء، في بعض آيات!، مفصل عن علم، ممن يحيط بكل شيء علما، ممن يعلم الغيب والشهادة، ممن يعلم السر في السموات والأرض.
الله هو الذي يهدي، هو الذي يرسم الطريقة، ولا يأتي الشقاء والضلال إلا بمخالفة هداه، فهو أمر إبليس فخالف، تحول إلى شيطان مضل، نهى آدم فخالف، فشقي في حياته، أليس هذا واضحاً؟.
هذه آية هامة جداً: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ}، هو الذي فصَّله، لم يوكل المسألة إلى واحد آخر من ملائكته، أو من خلقه أنه صلح دستور لأهل الأرض، هو الذي فصله على علم. {هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، أما الذين ليسوا مؤمنين فهم لا يهتدون به، ولا يحصلون على الرحمة التي تأتي لمن اهتدى به.