الإنفاق في سبيل الله جعله الله سبحانه وتعالى بالشكل الذي يمكن للناس أن يعملوه في كل الظروف
الدرس الرابع عشر من البرنامج الرمضاني
الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي
سورة البقرة الدرس التاسع من دروس رمضان.
{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: من الآية195) لأهمية الإنفاق في سبيل الله لتمويل العمل في مجال إعلاء كلمة الله، مواجهة أعداء الله، إذا لم ينطلق الناس فيه، معناه: أنهم في الأخير سيلقون بأيديهم إلى التهلكة، تلك الأيدي التي تمسك لا تنفق، هي كأنها تمسك نفسها، وترمي بنفسها إلى التهلكة، إما أن تترك يدك تنفق في سبيل الله، وإلا فهذه اليد نفسها هي التي ستهلكك، ولهذا قال: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: من الآية195).
إما أن تلقي أنت أموالك في سبيل الله .. أو ستلقى أنت أو الأمة هذه ستلقى بيدها إلى التهلكة، تهلك إذا لم تنفق، تضرب حركتها، تضعف مواجهتها، يتغلب عليها الأعداء، فيهلكونها قبل الهلكة التي تأتي من جهة الله سبحانه وتعالى، أشياء كثيرة في الدنيا، والهلكة في الآخرة، هل يمكن لأحد أن لا يعتبر آيات هامة كهذه؟، آيات تعتبر أساسية، في التوجيه، وتتناول مواضيع هامة جداً: الجهاد هام جداً، والجهاد يحتاج إلى تمويل، عندما يأتي أحد يقول: منسوخة!. هنا لا يمكن على الإطلاق، ولا هو مقبول، هذه رؤية قاصرة جداً أن يقول لك: منسوخة.
الإنفاق في سبيل الله جعله الله سبحانه وتعالى بالشكل الذي يمكن للناس أن يعملوه في كل الظروف، لأنه هناك أيضاً من جهة الله، هو يعمل أشياء كثيرة. لا نقول: نحن ليس لدينا أشياء كثيرة حتى ننفق، ليس رأس مال كل واحد منا مليون دولار حتى ينفق! ينفق كل واحد بقدر استطاعته، وعملية مستمرة، ثم أنه يوجهه إلى قضية هي هامة جداً، بأن تكون موجهة إلى الناس جميعاً .. إلى الناس جميعاً، ليست مسئولية طرف معين، إلى الناس جميعاً عندما يكون كل إنسان ينفق بقدر طاقته، تجتمع مبالغ كبيرة، ويبارك الباري فيها بزيادة مما يمكن أن تعملها في واقعها.
لو أن تمويل الجهاد قضية تعتمد على طرف معين تعتبر منهكة .. منهكة للأمة نفسها، ثم أن هذه القضية نفسها هي أيضاً تجعل الإنسان عنده اهتمام، اهتمام مستمر يرى نفسه مسئولاً، ومعنياً بالقضايا. الآن أليس الكثير من الشعوب يكون عندهم الجيش هناك؟ الجيش! الذهنية هذه مسيطرة أن هناك جيش، وأيضاً البعض يقول: أن هناك جيشاً وأن هناك دولة. هذه القضية تجعل الآخرين مجردين عن الشعور بالمسئولية، وعن الاهتمام. الإسلام بنى الإنسان على أساس: أن يكون صاحب اهتمام بالقضايا الكبيرة، ومشارك فيها، ومشارك فيها، مشارك بيده، مشارك بنفسه، مشارك بماله، يكون في نفس الوقت شريكاً في النتائج، يلمس الناس هم، ترتفع معنوياتهم، عندما يحققون انتصارات هم.
فإذا كانت جهة معنية ومعينة [لحالها] هي فقط، تذبل الاهتمامات عند الآخرين، وينسون حتى تصبح لديهم حالة لم يعد لديهم شعور بمسئولية. فيكونون هم معرضين للهزيمة، فإذا ما هزمت تلك الجهة المعينة هزمت البلاد بكلها.
لهذا يأتي الخطاب موجه للمسلمين، أليس الخطاب موجه للمسلمين؟ {وَقَاتِلُوا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ}، {وَأَنْفِقُوْا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ}، {كُونُوا أنْصَاراً لله} وهذه القضية هامة من الناحية التربوية بالنسبة للأمة، فيما يتعلق بواقع الأمة في بناءها، بنائها النفسي، بالطريقة هذه يصبح الناس، يصبح الإنسان المؤمن صاحب نفس كبيرة، صاحب اهتمامات كبيرة، يرى نفسه في الصراع الكبير مع الأعداء مهما كان كبيراً، لا تكون نفسيته معرضة للتضاؤل والتلاشي، فالإنسان الذي لا يعطى قضايا كبيرة تكون نفسيته معرضة للاضمحلال والتلاشي، فيصبح لا يمثل أي رقم في الحياة، لا يمثل أي دور في الحياة، لكن هنا قضايا تجعلك دور في الحياة، لك فاعلية في الحياة، ونفسك تكبر، ومعنوياتك تكبر، واهتماماتك تكبر.
لاحظ هنا في قضية الحج، وقضية البيت الحرام، والمشاعر كيف هي مفرقة داخل آيات الجهاد، أليست موجودة من أول ما ذكر البيت، {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} (البقرة: من الآية127)، ثم ذكر {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} (البقرة: من الآية158)، ثم ذكر هنا الحج {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (البقرة: من الآية196). لأن هذه لها علاقة ببناء الأمة، لها علاقة بمواقفها من أعدائها، لها أثرها الكبير في تعزيز وحدة الأمة، تمثل ملتقى للبشر، للمؤمنين جميعاً، تعتبر منطلقاً للتوعية فيما بينهم، ووصول أي توجيهات من ذلك المكان، إلى أي بقعة من بقاع الدنيا التي فيها مسلمين.
ثم أمر بتمام الحج والعمرة، متى ما اتجهت إلى العمرة، وابتدأت في أعمال العمرة، فيجب أن تتمها، متى ما بدأت في أعمال الحج التي تبدأ بالإحرام، فيجب أن تتمه، إذا حصل إحصار منعك من أن تتم الحج فهناك الهدي. نفس الشيء فيما يتعلق بأهمية الحج، أن له أهمية كبيرة، الأعداء يركزون عليه بشكل كبير، كما قلنا أكثر من مرة كما أذكر: أن الإمام الخميني قال من قبل: أنهم يخططون للسيطرة على الحج، أمريكا وإسرائيل يخططون للسيطرة على الحج، وهي قضية معروفة الآن، نسمع المؤامرات الرهيبة، ومحاولة تمحل الذرائع كما يسمونها، فيما يتعلق بالسعودية، وفيما يتعلق بدول المنطقة، وشعوب المنطقة كلها.
يبين تشريعات الحج بطريقة قريبة ليس فيها [فنقله] كثيرة، لأن كثيراً من مسائل الحج من الأشياء التي تعددت فيها الأقوال حتى أصبح الحج دقيقاً جداً، وخطيراً جداً، أدنى شيء ولزمك دم .. لزمك دم! وهكذا ذكر تفاصيل الحج وبعد قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} (البقرة: من الآية197). وهناك قال: {واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} (البقرة: من الآية203) التأكيد على أن الحج أشهر معلومات قضية هامة يجب أن يتشبث بها المسلمون، لا يأتي العدو في يوم من الأيام مع استجابة الأنظمة الحاكمة للمسلمين، ويقدم من لديه رؤى: أنه يوزع الحج على أشهر، اليمنيون يحجون في شهر كذا، والإيرانيون في شهر كذا، أو الأفارقة في شهر كذا، والآسيويون في شهر كذا، ويوزعونهم ويقولون: المقصود واحد. إذا المقصود واحد يطوف ويذهب يرمي، هي هذه حاصلة، لا. {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} لا يصح إلا فيها .. لا يصح إلا فيها. لأنه لو يجزأ الحج بالنسبة لوقته، معناه: تبطل الغاية العظيمة من وراء تشريعه: يمثل ملتقاً واحداً للمسلمين في وقت واحد، وأيام معدودة معينة، الأيام المعدودات: هي أيام منى، أيام التشريق.
لأهمية الحج فيما يتعلق بالناس يحظر عليهم أشياء كثيرة مما قد تثير شقاق فيما بينهم، الكلام السيء، الكلام الذي يعتبر رفث، الرفث بأنواعه، الرفث سواء كان بكلام سيء، أو بالتلفت للنساء الحاجّات، هذا كله يدخل ضمن الرفث. {وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (البقرة: من الآية197)، ولا جدال ممنوع الجدال في الحج، إلا إذا كان هناك حوار متبادل، طرح قضايا معينة، أو توجيه للناس، تذكيرهم بما يجب أن يعملوه، تذكيرهم بخطورة العدو الذي يتوجه ضدهم، وأشياء من هذه، تذكير الناس بالله، ذكر لله، يتجنبون الأشياء التي تثير الشقاق فيما بينهم، الجدال، الكلام البذيء، سواء الحجاج من بلد واحد، وهم في سيارة واحدة أو مع أي حجاج آخرين، مع أي حجاج آخرين مهما كانوا من طوائف أخرى، لا تدخل معهم في جدال، حاول أن لا تدخل في جدال نهائياً لو حاول هو، ذكره بأن هذا المكان ليس مقام جدال. شخص آخر جاءت منه كلمة بذيئة، ذكّره، تقول له: لو أننا في البلاد يمكن أن أجوب عليك لكن هذا المقام ليس مقام كذا، استح من الله، اتق الله، لتبقى الأجواء فيما بين الحجاج من أي بلد كانوا، وحتى من أي طوائف كانوا، تبقى أجواء صالحة للتفاهم فيما بينهم، لتذكير بعضهم بعض بالقضايا التي يجب أن يهتموا بها جميعاً.
يؤكد على موضوع ذكر الله في كل مناسك الحج، في كل المواقع، في كل المناسك، في عرفات، في مزدلفة، عند البيت الحرام، في نفس الأيام، ذكر الذكر عند المشعر الحرام بالنسبة للأماكن، أماكن: أي إشارة إلى الأماكن، أن تذكر الله بالنسبة للأماكن، وذكر بالنسبة للأيام، {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}. يعني: تكون حريصاً على أنك تكثر من ذكر الله في تلك الأمكنة، وفي تلك الأيام.
يذكر بالنسبة لطلبات الناس، أو نفسيات لدى البعض: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} (البقرة: من الآية200). مشغول بطلبات في الدنيا، وماله في الآخر من نصيب {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (البقرة:201ـ 202) هذه قضية هامة، تذكير للإنسان بأن تكون نظرته شاملة، شاملة للدنيا، لهذه الحياة، وللحياة الأخرى، أن تكون كلها محط اهتمام لديك، كما كانت هي، لأن الله جعل دينه بهذا الشكل حسنة للدنيا والآخرة، نفس دينه جعله للدنيا والآخرة.
أن يكون الإنسان وهو يدعو الله سبحانه وتعالى، يكون على هذا النحو، أعني: ينظر لهذه الحياة، وللحياة الأخرى كلها، لا يكون ممن ينظر لهذه الحياة فقط، أو ينظر نظرة قاصرة لهذه الحياة، وليس في ذهنيته الحياة الأخرى، أحياناً متى ما ساء فهم هذه الحياة يؤثر جداً على الحياة الأخرى، سوء الفهم للحياة هذه يؤثر فعلاً على ما يمكن أن يجعلك ناجيا في الحياة الأخرى، أعني: لاحظ كمثال في هذه عندما تكون نظرتك للحياة هذه بأن هذه الحياة، [الله خلق الدنيا على هذا النحو، ولا يصلح فيها حق، وعلى الإنسان] يحاول كيف يقدم لنفسه مبررات، لا يعمل في سبيله، [وأهل الحق لا ينتصرون على أهل الباطل، وأهل الباطل يكونون دائماً منتصرين، وهم كذا، وهم كذا]، أليست هذه نظرة مغلوطة للحياة هذه؟ تجعلك في الأخير لا تتحرك في سبيل الله، ألست هنا أثرت على حياتك الأخرى؟ سوء الفهم لواقع الحياة هذه، لواقع الأرض هذه، ولسنن الحياة هذه، يؤثر بالتأكيد على مستقبلك في الحياة الأخرى، لماذا تجد الكثير من الناس لا يتحركون في سبيل الله؟ بسبب ماذا؟ نظرة مغلوطة إلى الحياة هذه، وكيف جعلها الله عليه، [لا يوجد فيها مكان، ليس فيها مكان للحق، وهذه النفوس، نفوس الناس التي خلقها الله ليس فيها مكان للحق.
إذاً مادام ما هناك مكان للحق أجلس في بيتي] فقط!، فقعد عن العمل في سبيل الله الذي ستتوقف عليه نجاته في الآخرة. فتعطي الإنسان توجيها بأن يكون فاهماً، فاهماً للحياة الدنيا، وفاهماً للآخرة، ومهتم بالحياة الدنيا هذه والحياة الآخرة، لأنها حياة واحدة في الواقع، هي حياة واحدة في الواقع، ليس الموت إلا عبارة عن فاصل مثل ما يأتي فاصل في النشرة، أليس يأتي فاصل وبعده يكمل النشرة؟ هي .. هي، هي حياة واحدة، وأنت ستكون في الآخرة بنفس المشاعر، تبعث أنت .. أنت، لا تفهم بأنك قد صرت بشكل آخر، أو كأنه حلم.
يكون الناس {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} لم يأتِ ليقول على أساس أنه يقدم النموذج الصحيح، ومنهم من يقول: ربنا آتنا في الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. مثل ما يأتي التوجيه من عند الكثير من الناس يقول: [الدنيا .. الدنيا. لا تهتهم بالدنيا، اهتم بالآخرة]، ويقدم لك الآخرة فقط، الآخرة مرتبطة بالدنيا هذه، فتكون نظرة صحيحة لهذه الحياة الدنيا، ونظرة صحيحة للآخرة، وتطلب من الله الحسنة في هذه الدنيا، وفي الآخرة، {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} (البقرة: من الآية202) أن الله يؤتيهم في الدنيا هذه نصيباً مما كسبوا، وفي الآخرة، عملك إجعل منه هنا وهناك، نصيب هنا في الحياة الدنيا، ونصيب في الآخرة، لأنه أين النصيب الباقي عندما يقول: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} هل يمكن أن تعتبره نصيباً، يعني: في الآخرة، فالنصيب الثاني أين؟ وإلا تعتبره نصيب فقط، يوجد نصيب ثاني. النصيب معناه: القسط من الشيء. {نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} ما كسبوه يستفيدون منه في الدنيا وفي الآخرة.
{وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (البقرة: من الآية202) وحتى في الدنيا يحصل حساب، محاسبة ـ ولو لم يكن كما في الآخرة حساباً شخصياً، أو حساباً جماعياً ـ حساب واقعي، أعمال الناس يحاسبون عليها، يذوقون وبال أمرهم، كما قال في آية أخرى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً} (الطلاق: من الآية8)، {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} (الطلاق:8ـ9). هنا في الدنيا قبل الآخرة ليفهم الناس، بأنه إنما كسبوه، يحصل نصيب منه هنا، أعمال سيئة يحصل من عواقبه السيئة في الدنيا قبل الآخرة.
هدى الله سبحانه وتعالى يتناول التقييم للناس، التشخيص للناس لأن هذه قضية هامة، قضية أن يعرفك على الناس كيف هم، بدأ في هاتين الآيتين أن هناك من الناس من يقول: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا} (البقرة: من الآية201) وهناك فئة: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} (البقرة: من الآية201). ألست أمام صنفين من الناس؟.